تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
لا يسهل عليها التفصّي منه ، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه اللّه فوق العادات ، وأعتقه من رق الشهوات ، وجعل همته فوق المألوفات . فلا يطبيه ( أي يستميله ) إلا الحق . ولا يحكم عليه إلف ، ولا يغلبه عرف . ذلك هو النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن يختصه اللّه بالتأسي به . لهذا ، كان الأمر ، إذا نهى اللّه عن مكروه كانت الجاهلية عليه ، أو أحل شيئا كانت الجاهلية تحرّمه ، بادر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى امتثال النهي بالكف عن المنهيّ عنه ، والإتيان بضده . وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان المأمور به ، حتى يكون قدوة حسنة ، ومثالا صالحا تحاكيه النفوس ، وتحتذيه الهمم ، وحتى يخفّ وزر العادة وتخلص العقول من ريب الشبهة . نادى صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » في حجة الوداع بحرمة الربا . وأول ربا وضعه ربا عمه العباس . حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه ، فيسهل عليهم ترك مالهم ، وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم ، على هذا السنن الإلهي كان عمل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر زينب ، كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى :
وَتَخْشَى النَّاسَ
إلخ فعمد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، على سنته ، إلى خرق العادة بنفسه . وما كان ينبغي له ، ولا من مقتضى الحكمة ، أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد عنه ، أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته . ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ، ما لا يخفى على أحد . فألهمه اللّه أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه ، لتسقط العادة بالفعل . كما ألغى حكمها بالقول الفصل . لهذا أرغم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زينب أن تتزوج بزيد ، وهو مولاه وصفيّه . والنبيّ يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع ، وتنفيذ حكم إلهيّ . وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ، ولم يسلس قيادها ، بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها ، وبأنها أكرم منه عرقا وأصرح منه حرية . لأنه لم يجر عليها رقّ كما جرى عليه فاشتكى منها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المرة بعد المرة . وهو عليه السلام مع علوّ مقامه يغلبه الحياء فيتّئد ويتمكّث في تنفيذ حكم اللّه ولا يعجل ، فكان يقول لزيد
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ
[ الأحزاب : 37 ] ، إلى أن غلب أمر اللّه على أمر الأنفة ، وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضّه العيش معها . ثم تزوجها بعد ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليمزّق حجاب تلك العادة ، ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقا دون مخالفتها كما قال :
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في : الحج ، حديث 147 .