« اللهم ! طهرني من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد » .
فمن وقع ذنبه مغفورا أو مكفرا ، فقط طهره اللّه منه تطهيرا . ولكن من مات متوسخا بذنوبه ، فإنه لم يطهر منها في حياته . وقد يكون من تمام تطهيرهم صيانتهم عن الصدقة التي هي أوساخ الناس .
والنبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، إذا دعا بدعاء ، أجابه اللّه بحسب استعداد المحل . فإذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات ، لم يلزم أن لا يوجد مؤمن مذنب ، فإن هذا ، لو كان واقعا ، لما عذّب مؤمن ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . بل يغفر اللّه لهذا بالتوبة ، ولهذا بالحسنات الماحية . ويغفر اللّه لهذا ذنوبا كثيرة ، وإن واحدة بأخرى ، وبالجملة ، فالتطهير الذي أراده اللّه والذي دعا به النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، ليس هو العصمة بالاتفاق ، فإن أهل السنة عندهم ، لا معصوم إلا النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم . والشيعة يقولون : لا معصوم غير النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم والإمام . فقد وقع الاتفاق على انتفاء العصمة المختصة بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلّم والإمام عن أزواجه وبناته وغيرهن من النساء ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التطهير المدعوّ به للأربعة ، متضمنا للعصمة التي يختص بها النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، والإمام عندهم . فلا يكون دعاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم له بهذا ، العصمة ، لا لعليّ ولا لغيره . فإنه دعا لأربعة مشتركين ، لم يختص بعضهم بدعوة ، وأيضا فالدعاء بالعصمة من الذنوب ممتنع على أصل القدرية . بل وبالتطهير أيضا . فإن الأفعال الاختيارية التي هي فعل الواجبات وترك المحرمات عندهم غير مقدورة للرب . ولا يمكنه أن يجعل العبد مطيعا ولا عاصيا . ولا متطهرا من الذنوب ولا غير متطهر . فامتنع على أصلهم أن يدعو لأحد بأن يجعله فاعلا للواجبات تاركا للمحرمات . وإنما المقدور عندهم قدرة تصلح للخير والشر . كالسيف الذي يصلح لقتل المسلم والكافر . والمال الذي يمكن إنفاقه في الطاعة والمعصية ، ثم العبد يفعل باختياره ، إما الخير وإما الشر بتلك القدرة . وهذا الأصل يبطل حجتهم ، والحديث حجة عليهم في إبطال هذا الأصل ، حيث دعا النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم بالتطهير . فإن قالوا : المراد بذلك أنه يغفر لهم ولا يؤاخذهم ، كان ذلك أدل على البطلان من دلالته على العصمة . فتبيّن أن الحديث لا حجة لهم فيه بحال على ثبوت العصمة .
والعصمة مطلقا التي هي فعل المأمور وترك المحظور ، ليست مقدورة عندهم للّه ، ولا يمكنه أن يجعل أحدا فاعلا لطاعة ، ولا تاركا لمعصية . لا لنبيّ ولا لغيره . ويمتنع عندهم أن من يعلم أنه إذا عاش يطيعه باختيار نفسه ، لا بإعانة اللّه وهدايته . وهذا مما يبين تناقض قولهم في مسائل العصمة . كما تقدم . ولو قدر ثبوت العصمة ، فقد قدمنا أنه لا يشترط في الإمام العصمة ، والإجماع على انتفاء العصمة في غيرهم .
وحينئذ تبطل حجتهم بكل طريق . انتهى . وقوله تعالى :
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 74
مساهمون: محمد جمال الدين القاسمي
ص٧٤