تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
نعت به فشاع في الجمع . وأما تعميمه للفريقين في مثل قوم عاد وقوم فرعون ، فإما للتغليب ، أو لأنهن توابع . واختيار الجمع لغلبة وقوع السخرية في المجامع . والتنكير إما لتعميم أو للقصد إلى نهي بعضهم عن سخرية بعض ، لما أنها مما يجري بين بعض وبعض .
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
أي لا يعيب بعضكم على بعض ولا يطعن . قال الشهاب : ضمير
تَلْمِزُوا
للجمع بتقدير مضاف فيه . و
أَنْفُسَكُمْ
عبارة عن بعض آخر من جنس المخاطبين ، وهم المؤمنون ، فجعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم ، كما في قوله :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] ، وقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] ، فأطلق الأنفس على الجنس استعارة . ففي اللفظ الكريم تجوّز ، وتقدير مضاف . والنهي على هذا مخصوص بالمؤمنين ، وهو مغاير لما قبله ، وإن كان مخصوصا بالمؤمنين أيضا بحسب المفهوم ، لتغاير الطعن والسخرية ، فلا يقال إن الأول مغن عنه ، إذ السخرية ذكره بما يكره على وجه مضحك بحضرته ، وهذا ذكره بما يكره مطلقا . أو هو تعميم بعد التخصيص ، كما يعطف العام على الخاص ، لإفادة الشمول . وقيل : إنه من عطف العلة على المعلول ، أو اللمز مخصوص بما كان على وجه الخفية ، كالإشارة . أو هو من عطف الخاص على العام لجعل الخاص كجنس آخر مبالغة . انتهى . وقيل : معنى الآية : لا تفعلوا ما تلمزون به ، فإن من فعل ما استحق به اللمز ، فقد لمز نفسه . قال الشهاب : ف
أَنْفُسَكُمْ
على ظاهره والتجوّز في قوله
تَلْمِزُوا
. فهو مجاز ذكر فيه المسبّب ، وأريد السبب . والمراد : لا ترتكبوا أمرا تعابون به . وضعف بأنه بعيد من السياق ، وغير مناسب لقوله
وَلا تَنابَزُوا
، كما في ( الكشف ) ، وكونه من التجوّز في الإسناد ، إذ أسند فيه ما للمسبب إلى السبب ، تكلف ظاهر . وكذا كونه كالتعليل للنهي السابق ، لا يدفع كونه مخالفا للظاهر . وكذا كون المراد به لا تتسببوا في الطعن فيكم ، بالطعن على غيركم ، كما في الحديث « 1 » ( من الكبائر أن يشتم الرجل والديه ) ، إذ فسّر بأنه إذا شتم والدي غيره ، شتم الغير والديه أيضا .
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
أي ولا تداعوا بالألقاب التي يكره النبز بها الملقب فقد
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 146 ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص .