تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧

تنبيهات :

الأول - قال القاشانيّ : الاقتتال لا يكون إلا للميل إلى الدنيا ، والركون إلى الهوى ، والانجذاب إلى الجهة السفلية ، والتوجه إلى المطالب الجزئية . والإصلاح إنما . يكون من لزوم العدالة في النفس التي هي ظل المحبة ، التي هي ظل الوحدة . فلذلك أمر المؤمنون الموحدون بالإصلاح بينهما ، على تقدير بغيهما . والقتال مع الباغية على تقدير بغي إحداهما ، حتى ترجع . لكون الباغية مضادة للحق ، دافعة له . وقد روي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه بالنعال والأيدي ، لا بالسيوف ، فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأتاهم فحجز بينهم وأصلح . روي ذلك من طريق عديدة ، مما يقوي أن القتال الذي نزلت فيه كان حقيقيّا . ويروى عن الحسن أن الاقتتال بمعنى الخصومة ، والقتال بمعنى الدفع مجازا . قال - فيما رواه الطبريّ عنه - : كانت تكون الخصومة بين الحيين ، فيدعوهم إلى الحكم ، فيأبون أن يجيبوا ، فأنزل اللّه
وَإِنْ طائِفَتانِ
إلى قوله
فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي . . .
الآية . يقول : ادفعوا إلى الحكم ، فكان قتالهم الدفع . انتهى . ولا يخفى أن المادة قد تحمل على حقيقتها ومجازها فتتسع لهما . وقد قال اللغويون : ليس كل قتال قتلا . وقد يفضي الخصام إلى القتل ، فلا مانع أن يراد من الآية ما هو أعم ، لتكون الفائدة أشمل - واللّه أعلم - . الثاني - في ( الإكليل ) : في الآية وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي ، وقتال البغاة وهو شامل لأهل مكة كغيرهم ، وأن من رجع منهم وأدبر لا يقاتل ، لقوله
حَتَّى تَفِيءَ
. انتهى . وقد روى سعيد عن مروان قال : صرخ صارخ لعليّ يوم الجمل : لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح ، ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن . وقد اتفق الفقهاء على حرمة قتل مدبرهم وجريحهم ، وأنه لا يغنم لهم مال ، ولا تسبى لهم ذرية ، لأنهم لم يكفروا ببغيهم ولا قتالهم . وعصمة الأموال تابعة لدينهم ، ولذا يجب رد ذلك إليهم إن أخذ منهم . ولا يضمنوا ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال . ومن قتل من أهل البغي غسل وكفن وصلي عليه ، فإن قتل العادل كان شهيدا ، فلا يغسل ولا يصلى عليه ، لأنه قتل في قتال أمره اللّه تعالى به ، كشهيد معركة الكفار .