وبالجملة ، فالذي عول عليه الأئمة المحققون رضي اللّه عنهم ، أن الأمير يخيّر ، بعد الظفر تخيير مصلحة لا شهوة في الأسراء المقاتلين ، بين قتال واسترقاق ، ومنّ وفداء . ويجب عليه اختيار الأصلح للمسلمين ، لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر ، فلم يجز له ترك ما فيه الحظ ، كوليّ اليتيم ، لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى . فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين ، فقتله أصلح .
ومنهم الضعيف ذو المال الكثير ، ففداؤه أصلح ومنهم حسن الرأي في المسلمين ، يرجى إسلامه ، فالمنّ عليه أولى . ومن ينتفع بخدمته ، ويؤمن شرّه ، استرقاقه أصلح - كما في ( شرح الإقناع ) - .
الرابع - تسنّ دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال لمن بلغته الدعوة ، قطعا لحجته . ويحرم القتال قبلها لمن لم تبلغه الدعوة ، لحديث « 1 » بريدة بن الحصيب قال : كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش ، أمره بتقوى اللّه تعالى في خاصة نفسه ، وبمن معه من المسلمين . وقال : إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث ، فإن هم أجابوك إليها فاقبل منهم ، وكف عنهم : ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم ، فإن هم أبوا فادعهم إعطاء الجزية ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم . فإن أبوا فاستعن باللّه وقاتلهم - رواه مسلم - .
وقيد الإمام ابن القيّم وجوب الدعوة واستحبابها ، بما إذا قصدهم المسلمون .
أما إذا كان الكفار قاصدين المسلمين بالقتال ، فللمسلمين قتالهم من غير دعوة ، دفعا عن نفوسهم وحريمهم وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ، لأنه أعرف بحال الناس ، وبحال العدوّ ، ونكايتهم وقربهم وبعدهم - كما في ( شرح الإقناع ) - .
وقوله تعالى :
ذلِكَ
خبر لمحذوف . أي الأمر ذلك . أو مفعول لمقدّر
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ
أي : لانتقم منهم بعقوبة عاجلة ، وكفاكم ذلك كله .
وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
أي ليختبركم بهم ، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين فيثيبهم ، ويبلوهم بكم ، فيعاقب بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحق .
وَالَّذِينَ قُتِلُوا
أي استشهدوا . وقرئ ( قاتلوا )
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ
.
Footnote
( 1 ) أخرجه مسلم في : الجهاد ، حديث رقم 3 .