Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 459

Contributors:

P.459
قال الماورديّ : لم يختلف أهل العلم أنه يجوز أن يبعث إليهم رسولا من الإنس ، واختلفوا في جواز بعثة رسول منهم ، فجوّزه قوم لقول اللّه تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[ الأنعام : 130 ] ، ومنع آخرون منه . وهذا قول من جعلهم من ولد إبليس ، وحملوا قوله
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
على الذين لما سمعوا القرآن ، وولّوا إلى قومهم منذرين . انتهى . أقول : ونظيره تسمية رسل عيسى عليه السلام رسلا في آية
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ
[ يس : 14 ] . الرابع - استدل بقوله
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة ، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة . إذ لو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا ، لأوشك أن يذكروه . قال الماورديّ : فأما كفارهم فيدخلون النار ، وأما مؤمنوهم ، فقد اختلفوا في دخولهم الجنة ثوابا على إيمانهم . فقال الضحاك : ومن جوز أن يكون رسلهم منهم ، يدخلون الجنة . وحكى سفيان عن ليث أنهم يثابون على الإيمان بأن يجازوا على النار خلاصا منها ، ثم يقال : لهم : كونوا ترابا كالبهائم . انتهى . والحق - كما قال ابن كثير - أن مؤمنهم كمؤمن الإنس ، يدخلون الجنة ، كما هو مذهب جماعة من السلف . وقد استدل بعضهم لهذا بقوله عزّ وجلّ
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ *
[ الرحمن : 56 و 74 ] ، وفي هذا الاستدلال نظر ، وأحسن منه قوله جلّ وعلا
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 46 - 47 ] ، فقد امتنّ تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة . وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القوليّ أبلغ من الإنس ، فقالوا : ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ، فلك الحمد . فلم يكن تعالى ليمتنّ عليهم بجزاء لا يحصل لهم . وأيضا ، فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار ، وهو مقام عدل ، فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة ، وهو مقام فضل ، بطريق الأولى والأحرى . ومما يدل أيضا على عموم ذلك قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
[ الكهف : 107 ] ، وما أشبه ذلك من الآيات . وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإيمان ، من تكفير الذنوب ، والإجارة من العذاب الأليم ، هو يستلزم دخول الجنة ، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار . فمن أجير من النار دخل الجنة لا