تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
فِيهِ
أي من أحكام التوراة وغيرها . كاختلاف اليهود في القيامة ، لعدم صراحتها في كتبهم . وقد جاء في نحوها آية
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
[ آل عمران : 50 ] ، وقد وضع عن اليهود شيئا من إصر التوراة وأغلال الناموس ، كما فعل في يوم السبت . خفف شدّة حكمه . قال بعض المحققين : وإنما لم يقل ( ولأبين لكم كل ما تختلفون فيه ) لأنه لم يفعل ذلك . بل ترك بيان كثير من الأشياء ، كالفساد الذي دخل في أغلب كتبهم للفارقليط ( محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) الذي يأتي بعده ، لعدم استعداد الناس في زمنه لقبول كل شيء منه . كما قال هو نفسه في ( إنجيل يوحنا ) في الإصحاح السادس عشر . وخصوصا إذا تعرّض للطعن في كتبهم ، وهي رأس مالهم الوحيد وتراث أجدادهم . ولو فعل ذلك لشكّ فيه الكثيرون منهم وكذّبوه ، ولما اتبعه إلا الأقلون أو النادرون ، فتضيع الفائدة من بعثته التي بيناها في المتن . وهي التي بعث من أجلها . وأما قول اللّه تعالى عن لسانه
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ
[ آل عمران : 50 ] ، فالمراد بمثل هذا التعبير ، أنه بمجيئه عليه السلام تحققت نبوات التوراة عنه ، وبه صحت وصدقت . وكلمة ( التوراة ) تطلق على كتاب العهد القديم . فالمعنى أن مجيء عيسى كان وفق ما أنبأ به النبيون عنه من قبل . ولو لاه لما صدقت تلك النبوات ، فإنها لا تنطبق إلا عليه . وليس المراد أن عيسى يقرّ كل ما في التوراة ، كما يتوهم النصارى الآن من مثل هذه الآية . وإلا لما قال بعدها مباشرة
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
[ آل عمران : 50 ] ، فكيف يقرّها وهو قد جاء ناسخا لبعض ما فيها ؟ فتدبر ذلك ولا تكن كهؤلاء الذين يهرفون بما لا يعرفون . ويفسرون ما لا يفهمون . انتهى كلامه . وهو وجيه جدا .
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
قال ابن جرير : أي إن اللّه الذي يستوجب علينا إفراده بالألوهية وإخلاص الطاعة له ، ربي وربكم جميعا . فاعبدوه وحده لا تشركوا معه في عبادته شيئا . فإنه لا يصح ولا ينبغي أن يعبد شيء سواه
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أي هذا الذي أمرتكم به ، من اتقاء اللّه وطاعتي ، وإفراد اللّه بالألوهية ، هو الطريق القويم . وإذا كان هذا قول عيسى عليه السلام ، فلا عبرة بقول الملحدين فيه والمفترين عليه ما لم يقله . ثم أشار إلى وعيد من خالف الحق بعد وضوحه ، بقوله تعالى :