پرش به محتوای اصلی

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحه 373

پدیدآورندگان:

ص۳۷۳
حيف والزيادة ظلم . ثم بيّن تعالى أن العفو أولى ، فقال
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ
أي بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
أي ثوابه عليه . وفي إبهامه ، ما يدل على عظمه . حيث جعل حقا على العظيم الكريم
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
أي البادئين بالسيئة والمعتدين في الانتقام
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ
أي بعد ما ظلم . فالمصدر مضاف لمفعوله ، أو هو مصدر المبنيّ للمفعول
فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
أي للمعاقب ، ولا للعاتب والعائب . لأنهم انتصروا منهم بحق . ومن أخذ حقه ممن وجب ذلك عليه ، ولم يتعد ولم يظلم ، فكيف يكون عليه سبيل ؟
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
أي يبدءوهم بالظلم والإضرار ، أو يعتدون في الانتقام
وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
أي يتكبرون فيها ويفسدون
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : بسبب ظلمهم وبغيهم .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 43 ]

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 )
وَلَمَنْ صَبَرَ
أي على الأذى
وَغَفَرَ
أي لمن ظلمه ولم ينتصر
إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
أي التي ندب اللّه عباده ، وعزم عليهم العمل بها .

تنبيه :

نقل السيوطي في ( الإكليل ) عن الكيا الهراسيّ أنه قال : قد ندب اللّه إلى العفو في مواضع من كتابه ، وظاهر هذه الآية
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
أن الانتصار أفضل . قال ، وهو محمول على من تعدى وأصرّ ، لئلا يتجرأ الفساق على أهل الدين . وآيات العفو فيمن ندم وأقلع . انتهى . وعجيب فهمه الأفضلية من الآية ، فإنها لا تدل عليه ، عبارة ولا إشارة . فإنه تعالى لم يرغب في الانتصار . وإنما بين أنه مشروع لهم إذا شاءوا . ثم بين بعده أن مشروعيته بشرط رعاية المماثلة . ثم بين أن العفو أولى ، وهو الذي انتهى إليه الكلام ، وتم به السياق . وكذلك لا حاجة إلى حمل الانتصار على من تعدى . وذلك لأن الانتصار بالمثل من فروع علم العقوبات والجزاء المشروعة لإقامة الحق والعدل ، ودفع الظلم عن النفس والصغار ، ورفع الأحقاد والأضغان . وأما العفو والصفح ، فذاك من فروع علم الأخلاق وتهذيب النفوس . لأنه من باب المسامحة بالحق وإسقاط المستحق ، رغبة في تزكية النفس وهضما لها وحرصا على خير الأمرين وأوفر الأجرين . وكلاهما من محاسن الشريعة الحنيفية ، وتوسطها بين الاقتصاص البتة والعفو كليّا ؛ لأن العقل السليم يرى فيهما إفراطا