على الغيب مما لا يعقل . فإن قلت : ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير ؟ وهلا قيل :
يذرؤكم به ؟ قلت : جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير . انتهى .
وقيل ( في ) مستعارة للسببية
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
قال ابن جرير : فيه وجهان : أحدهما أن يكون معناه : ليس هو كشيء . وأدخل المثل في الكلام ، توكيدا للكلام ، لكونهما بمعنى واحد . والآخر أن يكون معناه : ليس مثله شيء . وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام . انتهى .
وبقي ثالث وهو أن المثل بمعنى الصفة . أي ليس كصفته صفة . ورابع - وهو ما عول عليه المحققون - أن المراد من مثله ذاته . كما في قولهم : مثلك لا يبخل . على قصد المبالغة في نفيه عنه . فإنه إذا نفي عمن يناسبه . كان نفيه عنه أولى . ثم سلكت هذه الطريقة في شأن من لا مثل له سبحانه ووجه المبالغة أن الكناية من باب دعوى الشيء ببيّنة . وقد بينت الكناية في الآية بوجه آخر أشار إليه الشّمنّي . وهو أنه نفي للشيء بنفي لازمه . لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم . كما يقال : ليس لأخي زيد أخ . فأخو زيد ملزوم . والأخ لازمه . لأنه لا بد لأخي زيد من أخ هو زيد . فنفي هذا اللازم . والمراد نفي ملزومه . أي ليس لزيد أخ . إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ . هو زيد . فكذا نفي أن يكون لمثل اللّه مثل . والمراد نفي مثله تعالى - إذ لو كان له مثل ، لكان هو تعالى مثل مثله ، لتحقق المماثلة من الجانبين .
فلا يصح نفي مثله ( أي نفي مثل ذلك المثل ) وبالجملة ، فأطلق نفي مثل المثل ، وأريد لازمه من نفي المثل . قال بعض الأفاضل : طالما كنت أجد في نفسي من هذا شيئا . وذلك أن محصل هذا أن نفي المثل لازم لحقيقة الآية . وقد تقرر أولا أنها تقتضي إثباته . ولذا أوّلوها بالأوجه المذكورة . فكيف يعقل أن إثبات الشيء ونفيه يلزمان معا لشيء واحد ؟ مع تصريحهم بأن تنافي اللوازم يقتضي تنافي الملزومات .
وبفرض صحة أن كلا منهما لازم لها ، فقصرها على هذا دون ذاك تحكم . مع أن القصد إبطال دلالتها على المحال . ولا يكفي فيه قولنا إنه غير مراد كما لا يخفى . ثم ظهر أن إثبات المثل ليس لازما لحقيقة الآية قطعا . بل هو محتمل فقط . كما تحتمل نفيه . وإن كان الأول أقرب ، لكن عارضه في خصوص هذه المادة . أنه لو كان له مثل إلخ . فبطل ذلك الاحتمال من أصله . فالتعويل في نفي المثل على هذه المقدمة القطعية بخلاف المثال فافهم ذلك . وقال العصام : هذا - أي كون الآية من باب الكناية - وجه تلقاه الفحول بالقبول . ورجّحوه بأن الكناية أبلغ من التصريح .
وعدم الزيادة أحق بالترجيح . وفيه بحث ، وهو أن نفي مثل المثل لا يستلزم نفي