تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
لَهُ ذلِكَ
فقد ظن داود عليه السلام أن يكون ما آتاه اللّه عزّ وجلّ من سعة الملك العظيم فتنة . فقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » يدعو في أن يثبت اللّه قلبه على دينه ، فاستغفر اللّه تعالى من هذا الظن ، فغفر اللّه تعالى له هذا الظن . إذ لم يكن ما آتاه اللّه من ذلك فتنة . انتهى كلام ابن حزم ، وهو وقوف على ظاهر الآية ، مجردا عن إشارة وإيماء . وقال البرهان البقاعي في ( تفسيره ) : وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود . ثم قال : وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود عليه السلام . لأن عيسى عليه السلام من ذريته ، ليجدوا سبيلا إلى الطعن فيه . انتهى . ثم قال : وقوله تعالى :
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ
أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون سماع لكلامه . وهذه الدعوى تدريب لداود عليه السلام في الأحكام . وذكرها للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تدريب له في الأناة في جميع أموره على الدوام . ولما ذكر هذا ، ربما أوهم شيئا في مقامه صلّى اللّه عليه وسلم ، فدفعه بقوله تعالى :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
. فالقصة لم يجر ذكرها إلا للترقية في رتب الكمال . وأول دليل على ما ذكرته ، أن هذه الفتنة إنما هي بالتدريب في الحكم ، لا بامرأة ولا غيرها . وأن ما ذكروه من قصة المرأة باطل وإن اشتهر . فكم من باطل مشهور ، ومذكور ، هو عين الزور . انتهى . وقال ابن كثير : قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات . ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه . ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده ، لأنه من رواية يزيد الرقاشيّ عن أنس رضي اللّه عنه . ويزيد ، وإن كان من الصالحين ، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة . فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة ، وأن يردّ علمها إلى اللّه عزّ وجلّ . فإن القرآن حق ، وما تضمن فهو حق أيضا . انتهى . وقال القاضي عياض في ( الشفا ) : وأما قصة داود عليه السلام ، فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيها الأخباريون على أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ، ونقله بعض المفسرين . ولم ينص اللّه على شيء من ذلك ، ولا ورد في حديث صحيح . والذي نص اللّه عليه قوله :
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ
وقوله فيه
أَوَّابٌ
فمعنى
فَتَنَّاهُ
أي اختبرناه . و
أَوَّابٌ
قال قتادة : مطيع .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : القدر ، 7 - باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن .