تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
أقول : أما المرفوع إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم فيها ، فلم يأت من طريق صحيح ، وأما الموقوف من ذلك على الصحب والأتباع رضي اللّه عنهم ، فمعوّلهم في ذلك ما ذكر في التوراة من هذا النبأ ، أو الثقة بمن حكى عنها . وينبني على ذلك ذهابهم إلى تجويز مثل هذا على الأنبياء . وقد ذهبت طائفة إلى تجويز ما عدا الكذب في التبليغ . كما فصّل في مطولات الكلام . قال ابن حزم رحمه اللّه : وهو قول الكرامية من المرجئة . وابن الطيّب الباقلانيّ من الأشعرية ، ومن اتبعه . وهو قول اليهود والنصارى . ثم رد هذا القول ، رحمه اللّه ، ردّا متينا . وأما المذهب الثاني ، فهو ما جزم به ابن حزم في ( الفصل ) وعبارته : ما حكاه تعالى عن داود عليه السلام قوله صادق صحيح ، لا يدل على شيء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولّدها اليهود . وإنما كان ذلك الخصم قوما من بني آدم ، بلا شك ، مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم . بغى أحدهما على الآخر على نصّ الآية . ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرّضين بأمر النساء ، فقد كذب على اللّه عزّ وجلّ ، وقوله ما لم يقل ، وزاد في القرآن ما ليس فيه ، وكذّب اللّه عز وجل وأقر على نفسه الخبيثة ، أنه كذّب الملائكة . لأن اللّه تعالى يقول :
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ
فقال هو : لم يكونوا قط خصمين ، ولا بغى بعضهم على بعض ، ولا كان قط لأحدهما تسع وتسعون نعجة ، ولا كان للآخر نعجة واحدة ، ولا قال له أكفلنيها فاعجبوا . لم يقحمون فيه الباطل أنفسهم ؟ ونعوذ باللّه من الخذلان ، ثم كل ذلك بلا دليل ، بل الدعوى المجرّدة . وتاللّه ! إن كل امرئ منا ليصون نفسه وجاره المستور عن أن يتعشق امرأة جاره ، ثم يعرّض زوجها للقتل عمدا ، ليتزوجها . وعن أن يترك صلاته لطائر يراه . هذه أفعال السفهاء المتهوّكين الفسّاق المتمردين . لا أفعال أهل البرّ والتقوى . فكيف برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي أوحى إليه كتابه وأجرى على لسانه كلامه ؟ لقد نزّهه اللّه عزّ وجلّ عن أن يمر مثل هذا الفحش بباله . فكيف أن يستضيف إلى أفعاله ؟ وأما استغفاره وخروره ساجدا ، ومغفرة اللّه له ، فالأنبياء عليهم السلام أولى الناس بهذه الأفعال الكريمة . والاستغفار فعل خير لا ينكر من ملك ولا من نبيّ . ولا من مذنب ولا من غير مذنب . فالنبيّ يستغفر اللّه لمذنبي أهل الأرض . والملائكة كما قال اللّه تعالى :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
[ غافر : 7 ] . وأما قوله تعالى عن داود عليه السلام
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ
وقوله تعالى :
فَغَفَرْنا