Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 186

Contributors:

P.186
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ
[ طه : 83 ] ، فكأنه سهل أمر هذه العجلة بكونهم على أثره . فكيف لو كان متقدما وهم في عقبه لا يتخلل بينهم وبينه مسافة ، فذاك لو اتفق ، لكان سياق الآية يوجب أنه لا يعد عجلة ولا سبقا . فحينئذ يكون القول بسبقية النهار لليل ، مخالفا صدر الآية على وجه لا يقبل التأويل . فإن بين عدم الإدراك الدال على التأخير والتبعية ، وبين السبق بونا بعيدا ، ومخالفا أيضا لبقية الآية . فإنه لو كان الليل تابعا ومتأخرا ، لكان أحرى أن يوصف بعدم الإدراك ، ولا يبلغ به عدم السبق . ويكون القول بتقديم الليل على النهار مطابقا لصدر الآية صريحا ، ولعجزها بوجه من التأويل مناسب لنظم القرآن . وثبوت ضده أقرب إلى الحق من حبل وريده ، واللّه الموفق للصواب من القول وتسديده . انتهى .
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
أي كل مما ذكر يجرون في مدار عظيم كالسابح في الماء . وتقدم لنا في سورة الأنبياء ، ما قاله بعض علماء الفلك في مثل هذه الآية . فراجعه .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يس ( 36 ) : آية 41 ]

وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 )
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
أي حملنا أولادهم الذين يرسلونهم في تجارتهم . قال الشهاب : ولا يخفى مناسبته لقوله قبله :
فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
وذكر ( المشحون ) أقوى في الامتنان بسلامتهم فيه ، أو لأنه أبعد عن الخطر ، وقيل المراد فلك نوح عليه السلام . فهو مفرد ، وتعريفه للعهد . والمعنى حمل آبائهم الأقدمين الذين بهم حفظ بقاء النوع لما عمّ الطوفان ، ونجوا مع نوح في السفينة . وإنما كان آية ، لأن بقاء نسلهم ونجاتهم بسفينة واحدة ، صنع عجيب ومقدور كبير . وآثر البعض الوجه الأول ، لأن الثاني محتاج للتأويل . وأرى جدارة الثاني بالإيثار لقاعدة الحمل على الأشباه والنظائر ، ما وجد له سبيل . لأنه أقرب وأسدّ . وقد جاء نظيره آية :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[ الحاقة : 11 - 12 ] . وإن ورد في نظير الأول آية
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
[ الرحمن : 24 ] ، وأشباهها ، إلا أن لفظ الحمل اتحد في الآيتين ، فقارب ما بينهما .