تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها ، وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ
قرأ الجمهور ( جدد ) بضم الجيم وفتح الدال ، جمع ( جدة ) بالضم ، وهي الطريقة من ( جدّه ) إذا قطعه ، أي ومن الجبال ذوو جدد ، أي طرائق بيض وحمر . وإنما قدر المضاف ، لأن الجبال ليست نفس الطرائق . و ( غرابيب ) جمع ( غربيب ) وهو الأسود المتناهي في السواد ، يقال : أسود غربيب ، كما يقال : أحمر قان ، وأصفر فاقع ، تأكيدا . وإما قدم هنا ، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد للمبالغة ورأى بعضهم أنه مقدم من تأخير ، ذهابا إلى جواز تقديم الصفة على موصوفها .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 28 ]

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( 28 )
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ
أي اختلافا كذلك ، أي كاختلاف الثمرات والجبال . وقوله تعالى
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
تكملة لقوله تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
[ فاطر : 18 ] ، بتعيين من يخشاه عز وجل من الناس ، بعد بيان اختلاف طبقاتهم ، وتباين مراتبهم ، أما في الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل . وأما في الأوصاف الصورية فبطريق التصريح ، توفية لكل واحدة منهما حقها اللائق بها من البيان . أي إنما يخشاه تعالى بالغيب ، العالمون به عز وجل ، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة . لما أن مدار الخشية معرفة المخشيّ والعلم بشئونه ، فمن كان أعلم به تعالى ، كان أخشى منه عز وجل . كما قال عليه الصلاة والسلام : « أنا أخشاكم للّه وأتقاكم له » « 1 » . ولذلك عقب بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته . وحيث كان الكفرة بمعزل من هذه المعرفة ، امتنع إنذارهم بالكلية . أفاده أبو السعود . وقال القاشانيّ : أي ما يخشى اللّه إلا العلماء العرفاء به ، لأن الخشية ليست هي خوف العقاب ، بل هيئة في القلب خشوعية انكسارية عند تصوّر وصف العظمة واستحضاره لها . فمن لم يتصوّر عظمته لم يمكنه خشيته . ومن تجلى اللّه له بعظمته ، خشيه حق خشيته . وبين الحضور التصوّريّ الحاصل للعالم غير العارف ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : النكاح ، 1 - باب الترغيب في النكاح ، حديث رقم 2099 عن أنس بن مالك ، قطعه من حديث طويل .