تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، سورة يونس ، وقد جاء في السورة التي نقرؤها كل يوم في الصلاة
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فلا استعانة إلا به ، وقد صرح الكتاب بأن أحدا لا يملك للناس من اللّه نفعا ولا ضرّا ، وهذا هو التوحيد الذي كان أساس الرسالة المصطفوية كما بيّنا . ثم البرهان العقليّ يرشد إلى أن اللّه تعالى في أعماله لا يقاس بالحكام وأمثالهم في التحول عن إرادتهم ، بما يتخذه أهل الجاه عندهم ، لتنزّهه جل شأنه عن ذلك . ولو أراد مبتدع أن يدعو إلى هذه العقيدة ، فعليه أن يقيم عليها الدليل الموصل إلى اليقين ، إما بالمقدمات العقلية البرهانية أو بالأدلة السمعية المتواترة . ولا يمكنه أن يتخذ حديثا من حديث الآحاد دليلا على العقيدة مهما قوي سنده . فإن المعروف عند الأئمة قاطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن .
وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
[ النجم : 28 ] ، انتهى كلامه رحمه اللّه . ثم راجعت ( اقتضاء الصراط المستقيم ) للإمام العلم تقيّ الدين ابن تيمية رضي اللّه عنه . فرأيته ذكر نحوا من ذلك ، وعبارته : فالوسيلة التي أمر اللّه بابتغائها ، تعمّ الوسيلة في عبادته وفي مسألته . فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها ، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ، ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته . ومن هذا الباب استشفاع الناس بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم القيامة ، فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى اللّه ، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره : وقول عمر رضي اللّه عنه ( إنا كنا ، إذا أجدبنا ، توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا ) معناه نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله ، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته . ليس المراد به ، إنا نقسم عليك به . أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه . كما يقوله بعض الناس : أسألك بجاه فلان عندك . ويقولون : إنا نتوسل إلى اللّه بأنبيائه وأوليائه ، ويروون حديثا موضوعا ( إذا سألتم اللّه فاسألوه بجاهي ، فإن جاهي عند اللّه عريض ) فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه ، كما ذكر عمر رضي اللّه عنه ، لفعلوا ذلك بعد موته ، ولم يعدلوا عنه إلى العباس . مع علمهم أن السؤال به والإقسام به ، أعظم من العباس . فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه ، وهو مما يفعل بالأحياء دون الأموات . وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم . فإن الحيّ يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه شيء ، لا دعاء ولا غيره . وكذلك حديث الأعمى . فإنه طلب من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو له ليردّ اللّه عليه بصره . فعلّمه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دعاء أمره فيه ، أن يسأل اللّه قبول شفاعة نبيّه فيه . فهذا يدل على أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم شفع فيه ، وأمره أن يسأل اللّه قبول شفاعته ، وأن قوله ( أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة ) أي بدعائه وشفاعته . كما قال