تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
المطلب والرغبة منهم ، مما لا ينطبق على عقل ولا نقل ، ولا يصدق على المعنى اللغويّ بوجه ما ، وقد كتب في ذلك الإمام الشيخ محمد عبده فتيا ، أبان وجه الصواب فيما تشابه من هذه المسألة . وذلك أنه سئل ، رحمه اللّه ، عمن يتوسل بالأنبياء ، والأولياء ، معتقدا أن النبيّ أو الوليّ يستميل إرادة اللّه تعالى عما هي عليه ، كما هو المعروف للناس من معنى الشفاعة والجاه عند الحكام . وأن التوسل بهم إلى اللّه تعالى كالتوسل بأكابر الناس إلى الحكام . فقال امرؤ : إن هذا مخلّ بالعقيدة وإن قياس التوسل إلى اللّه تعالى على التوسل بالحكام محال . وإن عقيدة التوحيد أن لا فاعل ولا نافع ولا ضار إلّا اللّه تعالى . وإنه لا يدعى معه أحد سواه . كما قال تعالى :
فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً
[ الجن : 18 ] ، وإن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن كان أعظم منزلة عند اللّه تعالى من جميع البشر ، وأعظم الناس جاها ومحبة ، وأقربهم إليه ، ليس له من الأمر شيء ، ولا يملك للناس ضرّا ولا نفعا ولا رشدا ولا غيره . كما في نص القرآن . وإنما هو مبلّغ عن اللّه تعالى . ولا يتوسل إليه تعالى إلا بالعمل بما جاء على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واتباع ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون من هديه وسنته . وإنه لا سبب لجلب المنافع ودفع المضارّ إلا ما هدى اللّه الناس إليه . ولا معنى للتوسل بنبيّ أو وليّ إلا باتباعه والاقتداء به . يرشدنا إلى هذا كثير من الآيات الواردة في القرآن العظيم ، كقوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] ،
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
[ الأنعام : 153 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . هذا هو اعتقادي وهو الذي قلته للناس . فإن كنتم ترون فيه خطأ فأرجو بيانه . وإن كان هو الصواب فأرجو إقراري عليه كتابة ، لأدافع بذلك من أساء بي الظن . فأجاب رحمه اللّه ، بعد البسملة والحوقلة : اعتقادك هذا هو الاعتقاد الصحيح . ولا يشوبه شوب من الخطأ . وهو ما يجب على كل مسلم يؤمن بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعتقده . فإن الأساس الذي بنيت عليه رسالة النبيّ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو هذا المعنى من التوحيد . كما قال اللّه تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ
[ الإخلاص : 1 - 2 ] ، و
الصَّمَدُ
هو الذي يقصد في الحاجات ، ويتوجه إليه المربوبون في معونتهم على ما يطلبون ، وإمدادهم بالقوة فيما تضعف عنه قواهم . والإتيان بالخبر على هذه الصورة يفيد الحصر . كما هو معروف عند أهل اللغة . فلا صمد إلا هو . وقد أرشدنا إلى وجوب القصد إليه وحده بأصرح عبارة في قوله :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
[ البقرة : 186 ] ، وقد قال الشيخ محي