وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ
أي عقوبة
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
أي من الكفر والفساد
فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أي بها .
وجواب
لَوْ لا
الأولى محذوف ، ثقة بدلالة الحال عليه . أي ما أرسلناك . لكن قولهم هذا عند عقوبتهم محقق . ولذا أرسلناك قطعا لمعاذيرهم .
قال الزمخشريّ : ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي ، جعل كل عمل معبرا عنه باجتراح الأيدي ، وتقديم الأيدي ، وإن كان من أعمال القلوب . وهذا من الاتساع في الكلام ، وتصيير الأقل تابعا للأكثر ، وتغليب الأكثر على الأقل
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى
أي من قلب العصا حية ، وفلق البحر ، وغيرهما من الآيات . تعنتا وعنادا ، كما قالوا
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ
[ هود : 12 ] ، وما أشبه ذلك . وقوله :
أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ
رد عليهم ، وإظهار لكون ما قالوه تعنتا محضا ، لا طلبا لما يرشدهم إلى الحق . أي أو لم يكفر أبناء جنسهم ، ومن مذهبهم مذهبهم ، وعنادهم عنادهم وهم القبط ، بما أوتي موسى من الكتاب
قالُوا
أي في موسى وهارون عليهما السلام ( ساحران )
تَظاهَرا
أي تعاونا . وقرئ
سِحْرانِ
أي ذوا سحرين ؛ أو جعلوهما سحرين مبالغة
وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ
ثم أشار تعالى إلى أن الآية العظمى للنبيّ صلوات اللّه عليه ، هي الآيات النفسية العلمية ، لا الكونية الآفاقية التي كانت لغيره ، جريا على سنة الارتقاء . فإن النوع الإنساني كان ، لما جاء الإسلام قد استعد إلى معرفة الحق من الباطل بالبرهان ، والتمييز بين الخير والشر بالدليل والحجة . وكان لا بد له في هذا الطور من معلّم ومرشد ، كما في الأطوار الأخرى ، أرسل اللّه إليه رسولا يهديه إلى طرق النظر والاستدلال ، ويأمره بأن يرفض التقليد البحت والتسليم الأعمى . وأن لا يأخذ شيئا إلا بدليل وبرهان ، يوصل إلى العلم . فكانت عمدته صلى اللّه عليه وسلم في الاستدلال على نبوّته ورسالته نفسه الكريمة ، وما جاء به من النور والهدى ، كالطبيب الذي يستدل على إتقانه صناعة الطب ، بما يبديه من العلم والعمل الناجح فيها . وقد بسط هذا في مواضعه . وهذا معنى قوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 49 إلى 55 ]
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 49 ) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 50 ) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 51 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ( 53 )
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 54 ) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ( 55 )