تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب ، فيسأل جاريته كيسه ، فيأخذ منه ما شاء . فإذا حضر مولاها فأخبرته ، أعتقها سرورا بذلك . و عن جعفر بن محمد الصادق رضي اللّه عنهما : من عظم حرمة الصديق ، أن جعله اللّه من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة ، بمنزلة النفس والأب والأخ والابن . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : الصديق أكبر من الوالدين . إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات . فقالوا
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[ الشعراء : 100 - 101 ] . وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك ، قام ذلك مقام الإذن الصريح . وربما سمج الاستئذان وثقل . كمن قدم إليه طعام ، فاستأذن صاحبه في الأكل منه . انتهى .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً
أي مجتمعين أو متفرقين . روي أن قوما من الأنصار إذا نزل بهم ضيف ، لا يأكلون إلا مع ضيفهم . وإن قوما كانوا تحرجوا من الاجتماع على الطعام ، لاختلاف الناس في الأكل ، وزيادة بعضهم على بعض . فأبيح لهم ذلك . وقال قتادة : كان هذا الحيّ من بني كنانة ، يرى أحدهم ؛ أن مخزاة عليه ، أن يأكل وحده في الجاهلية . حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحقل وهو جائع ، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه . واشتهر هذا عن حاتم لقوله :
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي
قال الشهاب : وفي الحديث ( شر الناس من أكل وحده ، وضرب عبده ، ومنع رفده ) والنهي في الحديث لاعتياده بخلا بالقرى ، ونفي الحرج عن وقوعه أحيانا ، بيان لأنه لا إثم فيه ، ولا يذم به شرعا ، كما ذمّت به الجاهلية .
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
أي إذا دخلتم بيتا من هذه البيوت لتأكلوا ، فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ، قرابة ودينا . قاله الزمخشري . أشار رحمه اللّه ، إلى أن المراد بالأنفس من هم بمنزلتها ، لشدة الاتصال كقوله
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] ويحتمل أن المسلم ، إذا ردت تحيته عليه ، فكأنه سلم على نفسه . كما أن القاتل لاستحقاقه القتل بفعله ، كأنه قاتل نفسه . وأما إبقاؤه على ظاهره ؛ لأنه إذا لم يكن في البيت أحد ، يسره أن يقول : السلام علينا وعلى عباد اللّه