خفت الصبح فأوتر بركعة
. وإذا قيل : نصف النهار فالمراد به النهار المبتدئ من طلوع الشمس . فهذا في هذا الموضوع ، ولفظ ( النهار ) يراد به من طلوع الفجر ، ويراد به من طلوع الشمس . لكن قوله :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ
أريد به من طلوع الفجر بلا ريب ، لأن ما بعد طلوع الشمس ليس على المسلمين فيه صلاة واجبة ، بل ولا مستحبة . بل الصلاة في أول الطلوع منهيّ عنها حتى ترتفع الشمس . وهل تستحب الصلاة لوقت الضحى أو لا تستحب إلا لأمر عارض ؟ فيه نزاع ليس هذا موضعه . فعلم أنه أراد بالطرف الأول من طلوع الفجر . وأما الطرف الثاني فمن الزوال إلى الغروب .
فجعل الصلاة في هذا الوقت صلاة في الطرف الثاني وأشرك بينهما فيه . ثم قال :
وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ
فأجمل الغرب والعشاء في ( زلف من الليل ) . وهو ساعات من الليل . فالمواقيت هنا ثلاثة .
وقال تعالى :
لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ
[ النور : 58 ] ، فذكر الفجر وذكر الظهر وذكر صلاة العشاء . فمن الظهيرة إلى ما بعد صلاة العشاء وقتان للصلاة . وقد ذكر الأول من هذا الوقت والآخر من هذا الوقت . وقد دل على المواقيت في آيات أخر كقوله تعالى :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
[ الروم : 17 - 18 ] ، فتبين أن له التسبيح والحمد في السماوات والأرض ، حين المساء وحين الصباح وعشيّا وحين الإظهار . فالمساء يتناول المغرب والعشاء ، والصباح يتناول الفجر ، والعشيّ يتناول العصر ، والإظهار يتناول الظهر .
وقال تعالى :
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها ، وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى
[ طه : 130 ] ، وفي الآية الأخرى :
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ
حق : [ 39 - 40 ] ، فقبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر . وقبل غروبها هي العصر ، وبذلك فسّرها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم
في الحديث « 1 » المتفق على صحته عن جرير بن عبد اللّه قال كنا جلوسا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر . فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في : مواقيت الصلاة ، 16 - باب فضل صلاة العصر ، حديث 358 .
وأخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 211 .