تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
في حال الطفولة . فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال . حتى لا يقول لهما ، إذا أضجره ما يستقذر منهما ، أو يستثقل من مؤنهما :
أُفٍّ
فضلا عما يزيد عليه . أفاده الزمخشريّ . وقوله :
وَلا تَنْهَرْهُما
أي تزجرهم عما لا يعجبك ، بغلظة
وَقُلْ لَهُما
بدل التأفيف والنهر
قَوْلًا كَرِيماً
أي حسنا كما يقتضيه حسن الأدب معهما . ومعنى قوله :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ
تذلّل لهما وتواضع . وفيه استعارة مكنية وتخييلية . فشبه الذل بطائر تشبيها مضمرا ، وأثبت له الجناح تخييلا ، والخفض ترشيحا . و ( خفضه ) ما يفعله إذا ضم أفراخه للتربية . أو استعارة تصريحية في المفرد وهو الجناح ، والخفض ترشيح . و ( الجناح ) الجانب كما يقال ( جناحا العسكر ) وخفضه مجاز . كما يقال ( ليّن الجانب ) و ( منخفض الجانب ) وإضافة الجناح إلى الذل للبيان . لأن صفة مبيّنة . أي جناحك الذليل . وفيه مبالغة لأنه وصف بالمصدر . فكأنه جعل الجناح عين الذل . أو التركيب استعارة تمثيلية . فيكون مثلا لغاية التواضع . وسر ذكر الجناح وخفضه ، تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس . و
مِنَ
من قوله تعالى :
مِنَ الرَّحْمَةِ
ابتدائية على سبيل التعليل . أي من فرط رحمتك لهما ، وعطفك عليهما ، لكبرهما وافتقارهما اليوم ، إلى من كان أفقر خلق اللّه إليهما بالأمس . وافتقار المرء إلى من كان مفتقرا له ، غاية في الضراعة والمسكنة . فيرحمه أشد رحمة . كما قال الخفاجيّ :
يا من أتى يسأل عن فاقتي * ما حال من يسأل من سائله ؟
ما ذلة السلطان إلا إذا * أصبح محتاجا إلى عامله
وقوله تعالى :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
أي رب ! تعطف عليهما برحمتك ومغفرتك ، كما تعطفا عليّ في صغري ، فرحماني وربياني صغيرا حتى استقللت بنفسي ، واستغنيت عنهما . قال الزمخشري : أي لا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها ، وادع اللّه بأن يرحمهما رحمته الباقية . واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك . والكاف للتعليل . أي لأجل تربيتهما لي . قال الطيبيّ : الكاف لتأكيد الوجود . كأنه قيل : رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها كقوله :
مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ الذاريات : 23 ] ، وهو وجه حسن .