تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
أفاده أبو السعود . و ( شيئا ) منصوب على المصدرية أو مفعول ( تعلمون ) والنفي منصبّ عليه . أي لا تعلمون شيئا أصلا من حق المنعم وغيره .
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
أي فتدركون به الأصوات
وَالْأَبْصارَ
فتحسون المرئيات
وَالْأَفْئِدَةَ
أي العقول
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي لتصرفوها فيما خلقت له من التوحيد والاعتبار بها والمشي على السنن الكونية . ثم نبه تعالى على آيته في خلقه الطير بقوله :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ
أي مذللات
فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
أي ما يمسكهن في الجوّ من غير تعلق بمادة ولا اعتماد على جسم ثقيل ، إلا هو سبحانه .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قال الحجة الغزالي في الحكمة في خلق المخلوقات ، في حكمة الطير ، في هذه الآية ، ما مثاله : اعلم رحمك اللّه أن اللّه تعالى خلق الطير وأحكمه حكمة تقتضي الخفة للطيران . ولم يخلق فيه ما يثقله . وخلق فيه ما يحتاج إليه وما فيه قوامه وصرف غذائه فقسم لكل عضو منه ما يناسبه . فإن كان رخوا أو يابسا أو بين ذلك ، انصرف إلى كل عضو من غذائه ما هو لائق به . فخلق للطير الرجلين دون اليدين لضرورة مشيه وتنقله . وإعانة له في ارتفاعه عن الأرض وقت طيرانه ، واسعة الأسفل ليثبت في موطن على الأرض وهي خف فيه . أو بعض أصابع مخلوقة من جلد رقيق صلب من نسبة جلد ساقيه . وجعل جلد ساقيه غليظا متقنا جدا ليستغني به عن الريش في الحر والبرد . وكان من الحكمة ، خلقه على هذه الصفة . لأنه في رعيه وطلب قوته لا يستغني عن مواضع فيها الطين والماء . فلو كسيت ساقاه بريش لتضرر ببلله وتلويثه . فأغناه سبحانه عن الريش في موضع لا يليق به حتى يكون مخلصا للطيران . وما خلق من الطير ذا أرجل طوال جعلت رقبته طويلة لينال غذاءه من غير حرج بها . إذ لو طالت رجله وقصر عنقه لم يمكنه الرعي في البراري ولا في البحائر حتى ينكبّ على صدره . وكثيرا ما يعان بطول المنقار أيضا مع طول العنق ، ليزداد مطلبه عليه سهولة . ولو طال عنقه وقصرت رجلاه أثقله عنقه واختل رعيه . وخلق صدره ودائره ملفوفا على عظم كهيئة نصف دائرة ، حتى يخرق في الهواء بغير كلفة ، وكذلك رؤوس أجنحته مدورة إعانة له على الطيران . وجعل لكل جنس من الطير منقارا يناسب رعيه ويصلح لما يغتذي به من تقطيع ولقط وحفر وغير ذلك . فمنه مخلب لتقطيع خص به الكواسر وما قوته اللحم . ومنه عريض مشرشر جوانبه تنطبق على ما يلتقطه انطباقا محكما . ومنه معتدل اللقط وأكل الخضر . ومنه طويل المنقار جعله صلبا شديدا
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 396 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود