تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
القصة ، وبها نفهم ما ذكر في أولها :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ
[ يوسف : 3 ] ، دع قول الجاهلين ، وفهم المتنسّكين ، وتجاوز خلط المؤرخين ، واختلافهم ، واصغ إلى ما في هذه القصة من هيئة تربية الحكام والأمراء ، كما أشرنا سابقا ، ولنزدك بيانا ! قال علماء الأخلاق والحكماء : لا ينتظم أمر الأمة إلّا بمصلحين ، ورجال أعمال قائمين ، وفضلاء مرشدين هادين ، لهم شروط معلومة ، وأخلاق معهودة ؛ فإن كان القائم بالأعمال نبيّا فله أربعون خصلة ذكروها . كلها آداب وفضائل بها يسوس أمته . وإن كان رئيسا فاضلا لمدينة فاضلة ، اكتفوا من الشروط الأربعين ببعضها . وسيدنا يوسف عليه السلام حاز من كمال المرسلين وجمال النبيين . ولقد جاء في سيرته هذه ما يتخذه عقلاء الأمم هدى لاختيار الأكفاء في مهام الأعمال ، إذ قد حاز الملك والنبوة ! ونحن لا قبل لنا بالنبوة لانقطاعها ، وإنما نذكر ما يليق بمقام رئاسة المدينة الفاضلة ، ولنذكر منها ثلاث عشرة خصلة هي أهم خصال رئيس المدينة الفاضلة لتكون ذكرى لمن يتفكر في القرآن ، وتنبيها للمتعلمين - العاشقين للفضائل - على نفائس الكتاب العظيم ، وحبّا في نظرهم في القرآن ، وليعلموا أن تلك القصص وقد أودعت ما لم يكن ليخطر على بال من سمعه للتغني به ومجرّد اللهو واللعب ! أهم ما شرطه الحكماء في رئيس المدينة الفاضلة : 1 - العفة عن الشهوات ، ليضبط نفسه وتتوافر قوته النفسية
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
[ يوسف : 24 ] . 2 - الحلم عند الغضب ، ليضبط نفسه
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ، فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ
[ يوسف : 77 ] . 3 - وضع اللّين في موضعه ، والشدّة في موضعها
وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ، أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ
[ يوسف : 59 - 60 ] ، والصدر للين والعجز للشدة . 4 - ثقته بنفسه
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
[ يوسف : 55 ] . 5 - قوة الذاكرة ليمكنه تذكر ما غاب ومضى له سنون ، ليضبط السياسات ويعرف للناس أعمالهم
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
[ يوسف : 58 ] .