تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
المغارة التي في حبرون ، وهي المعروفة اليوم بمدينة الخليل فإن فيها دفن إبراهيم ، وسارة امرأته ، وإسحاق ورفقة زوجته ، وليأة امرأة يعقوب . ولما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه فاضت روحه ، فوقع يوسف على وجه أبيه ، وبكى وقبله . ثم أمر الأطباء أن يحنطوه ويصبروه . ولما انقضت أيام التعزية به ، استأذن يوسف فرعون بأن يبرح لدفن أبيه : عملا بوصيته فأذن له وسار من مصر ، وصحبه إخوته آل أبيه وحاشيته ، ووجهاء مصر ، وأتباع فرعون في موكب عظيم ، إلى أن وصلوا أرض كنعان ودفنوه في المغارة - كما أوصى - ثم عاد بمن معه إلى مصر ، ولم يزل يوسف يرعى إخوته بالإكرام - كما أوصى - ثم عاد بمن معه إلى مصر ، ولم يزل يوسف يرعى إخوته بالإكرام والإحسان ، إلى أن قرب أجله ، فأوصاهم بأن ينقلوه معهم إذا عادوا إلى الأرض التي كتبها اللّه لآبائهم . ثم توفي يوسف ، وهو ابن مائة وعشر سنين ، فحنّطوه ، وجعلوه في تابوت بمصر . هذا ما قصه قدماء المؤرخين ، واللّه أعلم بالحقائق . وإنما لم يذكر هذا ، القرآن الكريم ، لأن القرآن لم يبن على قانون التاريخ ، فليس فيه شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار ، وإنما هي الآيات والعبر ، تجلت في سياق الوقائع ، ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها ، وإنما يذكر موضع العبرة فيها ، كما سيأتي الإشارة إليه في قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
[ يوسف : 111 ] ، وقوله :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
[ هود : 120 ] ، ومضى في المقدمة بسط هذا البحث ، فراجعه . وسنذكر إن شاء اللّه في آخر السورة شيئا من الحكم والعبر المقتبسة من نبأ يوسف ، فانتظر . وقوله تعالى :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 102 ]

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 )
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف ، البعيد درجة كماله في جميع ما لا يتناهى من المحاسن والأسرار حتى صار معجزا . والخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي : هذا من أخبار الغيوب السابقة ، نوحيه إليك ، ونعلمك به ، لما فيه من العبرة والاتعاظ . وقوله تعالى :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ
كالدليل على كونه نبأ غيبيا ووحيا سماويا . أي : لم تعرف هذا النبأ إلا من جهة الوحي ، لأنك لم