قال الناصر : هذا من الزمخشري إسلاف جواب عن سؤال ، كان قائلا يقول : هم في الوقعة الأولى سولت لهم أنفسهم أمرا بلا مراء ، وأما في هذه الوقعة الثانية ، فلم يتعمدوا في حق بنيامين سوءا ، ولا أخبروا أباهم إلا بالواقع على جليته ، وما تركوه بمصر إلا بمغلوبين عن استصحابه ، فما وجه قوله ثانيا
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
كما قال لهم أولا ؟ وإذا ورد السؤال على هذا التقرير ، فلا بد من زيد بسط في الجواب ، فنقول : كانوا عند يعقوب عليه السلام حينئذ متهمين ، وهم قمن باتهامه لما أسلفوه في حق يوسف عليه السلام ، وقامت عنده قرينة تؤكد نفي التهمة وتقوّيها ، وهي أخذ الملك له في السرقة ، ولم يكن ذلك إلا من دين إلا من دين يعقوب وحده ، لا من دين غيره من الناس ، ولا من عادتهم . وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى :
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
[ يوسف : 76 ] ، تنبيها من اللّه تعالى على وجه اتهام يعقوب لهم ، فعلم أن الملك إنما فعل ذلك بفتواهم له به ، وظن أنهم أفتوه بذلك بعد ظهور السرقة تعمدا ليتخلف أخوهم ، وكان الواقع أنهم استفتوا من قبل أن يدعي عليهم السرقة ، فذكروا ما عندهم ، ولم يشعروا أن المقصود إلزامهم بما قالوا .
واتهام من هو بحيث تتطرق التهمة إليه لا حرج فيه ، وخصوصا فيما يرجع إلى الوالد من الولد . ويحتمل - واللّه أعلم - أن يكون الوجه الذي سوغ له هذا القول في حقهم ، أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحل من يوجد في رحله ، سرقة ، من غير أن يحيلوا الحكم على ثبوت كونها سارقا بوجه معلوم ، وهذا في شرعنا لا يثبت لا سرقة عليه - واللّه أعلم - .
وقوله :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
واقع بمكانه من حالهم ، وإن كان شرعهم يقتضي ذلك مخالفا لشرعنا ، فالعمدة على الجواب الأول .
وقوله تعالى :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
أي : بلا جزع
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً
أي بيوسف وأخيه المتوقف بمصر ، فتذهب أحزانه بمرة واحدة
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
أي العليم بحالي وحالهم ، الحكيم في تشديد الأمر لينظر مقدار الصبر فيفيض بقدره الأجر ، ومن الأجر المعجل تعجيل الفرج .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 84 ]
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 )
وَتَوَلَّى
أي أعرض
عَنْهُمْ
أي عن بنيه كراهة لما جاءوا به