قال أبو السعود : الفقه معرفة غرض المتكلم من كلامه . أي : ما نفهم مرادك ، وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائل الحق البين على أحسن وجه وأبلغه ، وضاقت عليهم الحيل ، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا ، سوى الصدود عن منهاج الحق ، والسلوك إلى سبيل الشقاء ، كما هو ديدن المفحم المحجوج ، يقابل البينات بالسب والإبراق والإرعاد . فجعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ ، وأنواع العلوم والمعارف ، من قبيل ما لا يفهم معناه ، ولا يدرك فحواه ، وأدمجوا في ضمن ذلك أن في تضاعيفه ما يستوجب أقصى ما يكون من المؤاخذة والعقاب . ولعل ذلك ما فيه من التحذير من عواقب الأمم السالفة ، ولذلك قالوا :
وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً
أي لا قوة لك ، فتمتنع منا إن أردنا بك سوءا
وَلَوْ لا رَهْطُكَ
أي قومك وأنهم على ملتنا
لَرَجَمْناكَ
أي قتلناك برمي الأحجار ، أو شر قتلة
وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ
أي لا تعز علينا ولا تكرم ، حتى نكرمك ونمنعك من الرجم .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 92 ]
قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 92 )
قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ
أي من أمره ووحيه ودينه
وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا
أي نسيتموه وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر ، لا يعبأ به .
و ( الظهري ) منسوب إلى الظهر ، والكسر من تغييرات النسب ، كما قالوا : ( إمسي ) بالكسر في النسبة إلى ( أمس ) و ( دهريّ ) ، بالضم ، في النسبة إلى ( الدهر )
إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
أي عالم ، لا يخفى عليه ، فيجازيكم .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 93 ]
وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 )
وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ
أي غاية تمكنكم واستطاعتكم ، أو على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ، من كفركم وعداوتكم
إِنِّي عامِلٌ
أي على مكانتي التي كنت عليها من الثبات على الإسلام والمصابرة .