تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء . وقال تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
وقال تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] . ومعناه ، على أحد القولين ، كقوله :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة ، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله اللّه
أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
ناظرا في هذا المقام ؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ، والسجية المستقيمة ، بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بلا شك ولا ريب . ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك ، لا ناظرا ، قوله تعالى :
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ . .
الآية الآتية . انتهى . وممن جوّد هذا المبحث الجليل ، وبيّن أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان مناظرا لقومه ، العلامة الشهرستانيّ في كتابه ( الملل والنحل ) ، ونحن نسوقه عنه تأييدا لهذا البحث المهم ، وتعرّفا بمعتقد قومه ، وما دفعهم إليه ، لما فيه من الفوائد . قال رحمه اللّه تحت ترجمة ( أصحاب الهياكل والأشخاص ) : هؤلاء من فرق الصابئة ( وهم المتعصبون للروحانيين ) ، وقد أدرجنا مقالتهم في المناظرات جملة ، ونذكرها هاهنا تفصيلا : اعلم أن أصحاب الروحانيات ، لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط ، ولا بد للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه للتقرب به ، ويستفاد منه ، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع ، فتعرفوا أولا بيوتها ومنازلها ، وثانيا مطالعها ومغاربها ، وثالثا اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة ، مرتبة على طبائعها ، ورابعا تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها ، وخامسا تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها ، فعملوا الخواتيم ، وتعلموا العزائم والدعوات ، وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت ، وراعوا فيه ساعته الأولى ، وتختموا بخاتمه المعمول على صورته وصفته ، ولبسوا اللباس الخاص به ، وبخّروا ببخوره الخاص ، ودعوا بدعواته الخاصة ، وسألوا حاجتهم منه ، الحاجة التي تستدعى من زحل من أفعاله وآثاره الخاصة به . وكذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته ، وجميع الإضافات التي ذكرنا إليه . وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب . وكانوا يسمونها : أربابا آلهة ، واللّه تعالى هو رب الأرباب ، وإله الآلهة . ومنهم من جعل الشمس إله الالهة ورب
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 407 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود