وللزمخشريّ تأويل بديع ، تابعه عليه من بعده ، ونحن نسوقه أيضا . قال رحمه اللّه : لم يرد بقوله تعالى :
الْيَوْمَ
يوم بعينه . وإنما أريد به الزمان الحاضر ، وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية . كقولك : كنت بالأمس شابا وأنت اليوم أشيب . فلا تريد ( بالأمس ) اليوم الذي قبل يومك ولا ( باليوم ) يومك . وقيل : أريد يوم نزولها . وقد نزلت يوم الجمعة ، وكان يوم عرفة ، بعد العصر في حجة الوداع .
وقوله تعالى :
يَئِسَ
. إلخ . أي يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث ، بعد ما حرمت عليكم . وقيل : يئسوا من دينكم أن يغلبوه . لأن اللّه عز وجل وفّى بوعده من إظهاره على الدين كله .
فَلا تَخْشَوْهُمْ
بعد إظهار الدين ، وزوال الخوف من الكفار ، وانقلابهم مغلوبين مقهورين ، بعد ما كانوا غالبين
وَاخْشَوْنِ
وأخلصوا لي الخشية . انتهى كلامه .
وأوضح الوجه الأول ، الرازيّ فقال : ليس المراد باليوم هو ذلك اليوم بعينه ، حتى يقال : إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان معناه : لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار ، لأنكم الآن صرتم حيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم .
ثم بين تعالى أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة وهو : إكماله لهم دينهم ، فلا يحتاجون إلى دين غيره ، ولا إلى نبيّ غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه . ولهذا جعله تعالى خاتم الأنبياء ، وبعثه إلى الإنس والجن ، فلا حلال إلا ما أحلّه ، ولا حرام إلا ما حرّمه ، ولا دين إلا ما شرعه . فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة . ولهذا قال
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
يعني أحكامه وفرائضه ، فلا زيادة بعده ، ولم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام . هذا ما روي عن ابن عباس . وقال سعيد بن جبير وقتادة :
معنى ( الإكمال ) أنه لم يحج معهم مشرك . وخلا الموسم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وللمسلمين . وقيل : معناه كفايتهم أمر العدوّ ، وجعل اليد العليا لهم ، كما تقول الملوك : اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد ، إذا كفوا من ينازعهم . وبما ذكرنا أولا - من أنّ المراد بالإكمال عدم الزيادة - يندفع ما يتوهم من ثبوت النقص أولا . ولذا قال ابن الأنباريّ ( في الآية ) :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
شرائع الإسلام على غير نقصان كان قبل هذا الوقت . وذلك أنّ اللّه تعالى كان يتعبد خلقه بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر . فيكون الوقت الأول تامّا في وقته . وكذلك الوقت الثاني تامّا في وقته . فهو كما يقول القائل : عندي عشرة كاملة ، ومعلوم أنّ العشرين أكمل منها .