تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين ، وهو - ولا شك - خير من لا شيء . ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه ، فإن ذلك لا يكون إلّا بالإسلام
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
[ آل عمران : 83 ] . انتهى . ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل ، آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به . إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه . فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة ، بل هي هو ، واللّه الموفق . . .
وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
أي : القرآن المجيد بالإيمان به . وفي التعبير بقوله تعالى
لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ
من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه . كما تقول : هذا ليس بشيء ! تريد غاية تحقيره وتصغير شأنه . وفي أمثالهم : أقل من لا شيء . أي : لستم على دين يعتد به حتى يسمى شيئا ، لفساده وبطلانه . ثم بيّن تعالى غلوّهم في العناد وعدم إفادة التبليغ فقال :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً
. أي تماديا
وَكُفْراً
أي ثباتا على الكفر
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
أي : فإذا بالغت في تبليغ ما أنزل إليك ، فرأيت مزيد طغيانهم وكفرهم ، فلا تحزن عليهم لغاية خبثهم في ذواتهم ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ، وفي المؤمنين غنى عنهم .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 69 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
فيما يستقبلهم من العذاب
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
أي : في الآخرة إذا خاف المقصرون وحزنوا على تضييع العمر . .

لطائف :

الأول : ( الصابئون ) رفع على الابتداء . وخبره محذوف . والنية به التأخير عما في حيز ( إن ) من اسمها وخبرها . كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا . والصائبون كذلك ، وأنشد سيبويه شاهدا له :
وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 205 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود