ومتبعيهم كما يتناولهم . ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يقتصر على كونه رجلا مسلما ؟ فإن أقل متبعيه كذلك . فالوجه - واللّه أعلم - أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها ولينوّه بها إذا وصف بها عظيم القدر . كما يكون ثبوتها بقدر موصوفها . فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف بالصفة العظيمة قد يراد إعظام الصفة بعظم موصوفها . وعلى هذا الوصف جرى وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى :
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
[ الصافات : 112 ] وأمثاله . تنويها بمقدار الصلاح . إذ جعل صفة الأنبياء . وبعثا لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته . وكذلك قيل في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : 7 ] فأخبر ، عن الملائكة المقربين ، بالإيمان . تعظيما لقدر الإيمان وبعثا للبشر على الدخول فيه ، ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة . وإلّا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلّا .
ولهذا قال :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
يعني من البشر لثبوت حقّ الأخوة في الإيمان بين الطائفتين فكذلك - واللّه أعلم - جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويها به . لقد أحسن القائل في أوصاف الأشراف ، والناظم في مدحه صلى اللّه عليه وسلم :
فلئن مدحت محمدا بقصيدتي * فلقد مدحت قصيدتي بمحمّد
والإسلام ، وإن كان من أشرف الأوصاف ، إذ حاصله معرفة اللّه تعالى بما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حقه ، إلّا أن النبوة أشرف وأجلّ ، لاستعمالها على عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة . فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوة ، في سياق المدح ، لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز ، وفي كلام العرب الفصيح ، وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، لا النزول على العكس . ألا ترى أن أبا الطيب كيف تزحزح عن هذا المهيع في قوله :
شمس ضحاها هلال ليلتها * درّ تقاصيرها زبرجدها !
فنزل عن الشمس إلى الهلال ، وعن الدر إلى الزبرجد في سياق المدح .
فمضغت الألسن عرض بلاغته ، ومزقت أديم صيغته . فعلينا أن نتدبّر الآيات المعجزات ، حتى يتعلق فهمنا بأهداب علوّها في البلاغة المعهود لها . واللّه الموفق .
وقوله تعالى
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ
قال الزمخشريّ : نهي للحكام عن خشيتهم غير اللّه في حكوماتهم وإدهانهم فيها ، وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل