وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً
اعلم أن في الآية وجوها يحتملها النظم الكريم .
الأول : أن يراد بالسفهاء اليتامى . كما روي عن سعيد بن جبير . والخطاب حينئذ للأولياء . نهوا أن يؤتوا اليتامى أموالهم مخافة أن يضيعوها لقلة عقولهم . لأن السفيه هو الخفيف الحلم . وإنما أضيفت للأولياء ، وهي لليتامى ، تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء . فكأن أموالهم عين أموالهم . لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسيّ والنسبيّ . مبالغة في حملهم على المحافظة عليها . كما قال تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] . أي لا يقتل بعضكم بعضا . حيث عبر عن بني نوعهم بأنفسهم ، مبالغة في زجرهم عن قتلهم . فكأن قتلهم قتل أنفسهم . وقد أيد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها بجعلها مناطا لمعاش الأولياء ، بقوله تعالى :
الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
. أي جعلها اللّه شيئا تقومون وتنتعشون . فلو ضيعتموها لضعتم . وقوله تعالى :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
أي اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم . بأن تتجروا وتتربحوا . حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال . وقوله سبحانه :
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً
أي كلاما لينا تطيب به نفوسهم . ومنه أن يعدهم عدة جميلة ، بأن يقول وليهم : إذا صلحتم ورشدتم ، سلمنا إليكم أموالكم .
( الوجه الثاني ) أن يراد بالسفهاء الناس والصبيان . روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما . فالخطاب عام والنهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوّله اللّه تعالى من المال فيعطيه امرأته وأولاده . ثم ينظر إلى أيديهم . وإنما سماهم سفهاء استخفافا بعقلهم واستهجانا لجعلهم قواما على أنفسهم . قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول : لا تعمد إلى مالك ما خوّلك اللّه وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تنظر إلى ما في أيديهم . ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم .
( الوجه الثالث ) أن يراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال .
فيدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفا بهذه الصفة . قال الرازيّ :
وهذا القول أولى . لأن التخصيص بغير دليل لا يجوز . قال السيوطيّ في ( الإكليل ) :
في هذه الآية الحجر على السفيه . وأنه لا يمكّن من ماله . وأنه ينفق عليه منه ويكسي ، ولا ينفق في التبرعات . وأنه يقال له معروف . ك ( إن رشدت دفعنا إليك مالك . وإنما يحتاط لنفعك ) .