تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
جازاه . قالوا : قد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب . ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا . قال الواحديّ : والأصل في ذلك أن اللّه عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد ، وأن امتنع أن يخلف الوعد . والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور . لأنه إخبار منه تعالى أن جزاءه ذلك . لا بأنه يجزيه بذلك . كيف لا ؟ وقد قال اللّه تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] . ولو كان هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها ، لعارضه قوله تعالى :
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ *
[ الشورى : 30 ] . انتهى . وقال العلامة الشوكانيّ في ( نيل الأوطار ) : وأما بيان الجمع بين هذه الآية وما خالفها فنقول : لا نزاع أن قوله تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً
من صيغ العموم الشاملة للتائب وغير التائب . بل للمسلم والكافر . والاستثناء لمذكور في آية الفرقان . أعني قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ تابَ
[ الفرقان : 70 ] . بعد قوله تعالى :
وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الفرقان : 68 ] - مختص بالتائبين فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً
. أما على ما هو المذهب الحق من أنه ينبني العامّ على الخاص مطلقا ، تقدم أو تأخر أو قارن - فظاهر ، وأما على مذهب من قال : إن العامّ المتأخر ينسخ الخاص المتقدم ، فإذا سلمنا تأخر قوله تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً
، على آية الفرقان ، فلا نسلم تأخرها من العمومات القاضية بأن القتل مع التوبة من جملة ما يغفره اللّه . كقوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
[ الزمر : 53 ] . وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
[ النساء : 116 ] . ومن ذلك ما أخرجه مسلم « 1 » عن أبي هريرة . أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب اللّه عليه . وما أخرجه الترمذيّ « 2 » وصححه من حديث صفوان بن عسّال .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، حديث 43 . ( 2 ) أخرجه الترمذيّ في : الدعوات ، 98 - باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده . ونصه : عن زرّ بن حبيش قال : أتيت صفوان بن عسّال المراديّ أسأله المسح على الخفين ؟ فقال : ما جاء بك يا زرّ ؟ فقلت : ابتغاء العلم . فقال : إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم ، رضا بما يطلب . فقلت : إنه حكّ في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول ، وكنت
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 270 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود