تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
قال الحراليّ : ففي ضمنه إشعار بأنّ استحسان بهجة الدنيا كفر مّا ، من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصّر طيّتها ، ويشهد جيفتها ، فلا يغترّ بزينتها ، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحقّ ؛ فأبهم تعالى المزيّن في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان ، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج اللّه كما في قوله تعالى :
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
[ الأنعام : 108 ] . وفي كلامه إشعار بما يجاب عن ورود التزيين ، مسندا إلى اللّه تعالى تارة وإلى غيره أخرى ، في عدّة آيات من التنزيل الكريم . وللراغب كلام بديع ينحلّ به مثل هذا الإشكال وهو قوله : إن الفعل كما ينسب إلى المباشر له ، ينسب إلى ما هو سببه ومسهّله ، وعلى هذا يصحّ أن ينسب فعل واحد تارة إلى اللّه تعالى وتارة إلى غيره ، نحو قوله :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
[ السجدة : 11 ] ، وفي موضع آخر :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
[ الزمر : 42 ] . فأسند الفعل في الأول إلى المباشر له ، وفي الثاني إلى الآمر به ؛ وهكذا ، بتصوّر ما ذكر ، تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوبا إلى اللّه تعالى ، منفيا عن اللّه تعالى . نحو قوله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
[ الأنفال : 17 ] . وقوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال 17 ] ، وقوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
[ النساء : 79 ] .
وَيَسْخَرُونَ
- أي : يهزئون -
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
وهذا كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ . . .
[ المطففين : 29 - 36 ] الآيات
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا
وهم المؤمنون ، وإنما ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها وإيذانا بترتب الحكم عليها
فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
لأنهم في علّيين وهم في أسفل سافلين ، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا ، كما قال تعالى :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ
[ المطففين : 29 - 36 ] . ولذا قال الراغب : يحتمل قوله تعالى
فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
وجهين : أحدهما : أنّ حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا . والثاني : أنّ المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات ، والكفار في الدرك الأسفل من النار . انتهى .