و
روى الإمام الشافعي عن عبد اللّه بن السائب : أنه سمع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً . . .
الآية .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 202 ]
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 )
أُولئِكَ
إشارة إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجميلة ، وما فيه من معنى البعد لما مرّ مرارا من الإشارة إلى علو درجتهم ، وبعد منزلتهم في الفضل
لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا
أي : من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة . أو من أجل ما كسبوا ، كقوله :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا
[ نوح : 25 ] . أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه في الدنيا والآخرة . وسمّي الدعاء كسبا لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
إمّا بمعنى سريع في الحساب كسريع في السير ، فالجملة تذييل لقوله
أُولئِكَ . . .
إلخ يعني : أنه يجازيهم على قدر أعمالهم وكسبهم ولا يشغله شأن عن شأن لأنه سريع في المحاسبة ؛ أو بمعنى : سريع حسابه كحسن الوجه . فالجملة تذييل لقوله :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ . . .
إلخ يعني : يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد . فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة باكتساب الطاعات والحسنات .
وقال الراغب : لما كان الحساب يكشف عن جمل الشيء وتفصيله ، نبّه بذلك على إحاطته بأفعال عباده ووقوفه على حقائقها . وذكر السريع تنبيها أن ذلك منه لا في زمان ولا بفكرة ، وذلك أبلغ ما يمكن أن يتصور به الكافة سرعة فعل اللّه .
تنبيه :
قال الرازيّ : اعلم أنّ اللّه تعالى بيّن أوّلا تفصيل مناسك الحجّ ، ثم أمر بعدها بالذكر فقال :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ . . .
إلخ ، ثمّ بيّن أنّ الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكره فقال :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ . . .
إلخ ، ثمّ بيّن بعد ذلك الذكر كيفيّة الدعاء فقال :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ . . .
إلخ ، وما أحسن هذا الترتيب ! فإنه لا بدّ من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها ، ثم بعد العبادة لا بدّ من الاشتغال بذكر اللّه تعالى لتنوير القلب وتجلي نور جلاله ، ثم بعد ذلك الذكر ، يشتغل الرجل بالدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر . . . ! .