ل ( فباشروهنّ ) . وقيل : الكلام محمول على المعنى ، والتقدير : فالآن قد أبحنا لكم أن تباشروهنّ . ودلّ على المحذوف لفظ الأمر الذي يراد به الإباحة . فعلى هذا ، ( الآن ) على حقيقته .
وأصل ( المباشرة ) إلصاق البشرة بالبشرة . كني بها عن الجماع الذي يستلزمها
وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
تأكيد لما قبله ، أي : ابتغوا هذه الرخصة التي أحلّها لكم .
و ( كتب ) هنا ، إمّا بمعنى جعل كقوله
كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
[ المجادلة :
22 ] ، أي : جعل ، وقوله
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ *
[ آل عمران : 53 ] ،
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
[ الأعراف : 156 ] ، أي : أجعلها . أو بمعنى قضى ، كقوله :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
[ التوبة : 51 ] ، أي : قضاه ، وقوله :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ المجادلة : 21 ] ، وقوله :
لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ
[ آل عمران : 154 ] ، أي : قضي .
قال الراغب : في الآية إشارة في تحرّي النكاح إلى لطيفة . وهي : أن اللّه تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية ! كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية ! فحقّ الإنسان أن يتحرّى بالنكاح ما جعل اللّه له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة . فمتى تحرّى به حفظ النفس وحصن النفس على الوجه المشروع ، فقد ابتغى ما كتب اللّه له . وإلى هذا أشار من قال : عنى الولد .
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
أباح تعالى الأكل والشرب - مع ما تقدّم من إباحة الجماع - في أيّ الليل شاء الصائم إلى أن يتبيّن ضياء الصباح من سواد الليل . وشبّها بخيطين : أبيض وأسود ، لأنّ أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتدّ معه من غبش الليل ، كالخيط الممدود .
قال أبو دؤاد الإياديّ :
فلما أضاءت لنا سدفة * ولاح من الصبح خيط أنارا . . !
وقوله
مِنَ الْفَجْرِ
بيان للخيط الأبيض . واكتفى به عن بيان الخيط الأسود ، لأن بيان أحدهما بيان للثاني . وقد رفع بهذا البيان الالتباس الذي وقع أول أمر الصيام . كما روى الشيخان « 1 » وغيرهما عن سهل بن سعد قال : أنزلت
وَكُلُوا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 28 - باب قوله :وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ- إلى قوله - :يَتَّقُونَ، حديث 975 .
وأخرجه مسلم في : الصيام ، حديث 35 ( طبعتنا ) .