تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
من أهل الكتاب وخلع الباطل ولم يراع سلفا ولا خلفا ، وتذكيرا لقوله تعالى :
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
أي ليس أهل الكتاب متساوين ومتشاركين في المساوئ . ثم استأنف قوله بيانا لعدم استوائهم
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
. في قوله تعالى
قائِمَةٌ
وجوه : الأول - أنها قائمة في الصلاة ، وعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
[ الفرقان : 64 ] . وقوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
[ المزمل : 20 ] . وقوله :
قُمِ اللَّيْلَ
[ المزمل : 2 ] . وقوله :
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
[ البقرة : 238 ] . والثاني - أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له ، غير مضطربة في التمسك به ، كقوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
[ آل عمران : 75 ] أي ملازما للاقتضاء ، ثابتا على المطالبة . ومنه قوله تعالى :
قائِماً بِالْقِسْطِ
[ آل عمران : 18 ] . الثالث - أنها مستقيمة عادلة من قولك : أقمت العود فقام ، بمعنى استقام . والآناء الأوقات واحدها ( إنا ) مثل ( معي ) و ( أمعاء ) و ( إني ) مثل ( نحي ) و ( أنحاء ) وقوله تعالى :
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
جملة مستقلة مستأنفة ، وليست حالا من فاعل
يَتْلُونَ
لما صح في السنة من النهي عن التلاوة في السجود ، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم « 1 » . فمعنى الآية أنهم يقومون تارة ويسجدون أخرى ، يبتغون الفضل والرحمة كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
[ الفرقان : 64 ] . وقوله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
[ الزمر : 7 ] . ويحتمل أن يكون المعنى : وهم يصلون ، والصلاة تسمى سجودا وسجدة كما تسمى ركوعا وركعة وتسبيحا وتسبيحة . وعليه فالجملة يجوز فيها الوجهان ، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وتأكيده . ثم وصفهم تعالى بصفات أخر ، مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى ، بقوله :
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 207 .