تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
ووجه ثالث : وهو أن لا يحمل ( ملء الأرض ) أولا على الافتداء بل على التصدق ، ولا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق ، بل يكون شرطا محذوف الجواب ، ويكون المعنى : لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا تصدق به ، ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه . وضمير ( به ) للمال من غير اعتبار وصف التصدق . ووجه رابع : وهو أن الواو زيدت لتأكيد النفي . فتبصر .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 92 ]

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 )
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
استئناف خطاب للمؤمنين سيق لبيان ما ينفعهم ويقبل منهم ، إثر بيان ما لا ينفع الكفرة ولا يقبل منهم ، أي لن تبلغوا حقيقة البر ، وتلحقوا بزمرة الأبرار . بناء على أن تعريف البر للجنس . أو لن تنالوا بر اللّه سبحانه وتعالى وهو ثوابه وجنته ، إذا كان للعهد ، حتى تنفقوا في سبيل اللّه تعالى مما تحبون ، أي تهوونه ويعجبكم من كرائم أموالكم ، كما في قوله تعالى :
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
[ البقرة : 267 ] ؛ وقد روى الشيخان « 1 » عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله إلى بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب . قال أنس : فلما أنزلت هذه الآية
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
قام أبو طلحة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ! إن اللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء ، وإنها صدقة للّه عز وجل أرجو برها وذخرها عند اللّه . فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بخ بخ . ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت . وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، قال أبو طلحة : أفعل يا رسول اللّه . فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه - ( وبيرحا روى بكسر الباء وفتحها وفتح الراء وضمها والمد والقصر ، وهو اسم حديقة بالمدينة - وفي الفائق : إنها فيعلى من البراح ، وهو الأرض الظاهرة . وبخ بخ كلمة استحسان ومدح كررت للتأكيد ، ورابح بالموحدة أي ذو ربح ، وبالمثناة التحتية أي يروح عليك نفعه وثوابه ) .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الزكاة ، 44 - باب الزكاة على الأقارب ، حديث 776 . ومسلم في : الزكاة ، حديث 42 .