السعود - وفي الآية الأخرى :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ آل عمران : 85 ] .
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
مطلقا ، أو اليهود ، في دين الإسلام
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
أي إلا بعد أن علموا بأنه الحق الذي لا محيد عنه . ولم يكن اختلافهم لشبهة عندهم بل
بَغْياً بَيْنَهُمْ
أي حسدا كائنا بينهم ، وطلبا للرئاسة . وهذا تشنيع عليهم إثر تشنيع
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ
المنزلة
فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
قائم مقام جواب الشرط . علة له . أي : فإنه تعالى يجازيه ويعاقبه على كفره عن قريب . فإنه سريع الحساب .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 20 ]
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 )
فَإِنْ حَاجُّوكَ
في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات
فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
أي انقدت لآياته المنزلة ، وأخلصت نفسي وعبادتي له ، لا أشرك فيها غيره . قال أبو السعود : وإنما عبر عن النفس بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والمشاعر ، ومجمع معظم ما يقع به العبادة من السجود والقراءة ، وبه يحصل التوجه إلى كل شيء
وَمَنِ اتَّبَعَنِ
عطف على الضمير المتصل .
لطيفة :
هل قوله تعالى :
فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
، إعراض على المحاجة ، أو هو محاجة وإظهار للدليل ؟ فمن قائل بالأول ، وذلك لأنه صلّى اللّه عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مرارا وأطوارا ، فإن هذه السورة مدنية ، وكان قد أظهر لهم المعجزات الجمة بالقرآن وغيره ، فبعد هذا قال :
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ
إلخ .
يعني إنّا بالغنا في تقرير الدلائل وإيضاح البينات ، فإن تركتم الأنف والحسد وتمسكتم بها كنتم مهتدين . وإن أعرضتم ، فإن اللّه تعالى من وراء مجازاتكم . وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام . فإن المحقّ إذا ابتلي بالمبطل اللجوج ، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال ، فقد يقول في آخر الأمر : أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق مستسلمون له ، مقبلون على عبودية اللّه تعالى ، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم ، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد .