قال الزمخشريّ : خبر ( عسيتم ) ألا تقاتلوا . والشرط فاصل بينهما . والمعنى :
هل قاربتم ألا تقاتلوا . يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون . أراد أن يقول عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال ، فأدخل ( هل ) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ
[ الإنسان : 1 ] ، معناه التقرير . وقرئ عسيتم بكسر السين ، وهي ضعيفة .
قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ
، أي وأي سبب لنا في ترك قتال عدونا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
، أي والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال إيجابا قويّا من أخذ بلادنا وسبي أولادنا
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ
بعد إلحاحهم في طلبه
تَوَلَّوْا
، أي أعرضوا عن قتال عدوهم جبنا
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
وعيد لهم على ظلمهم بالتولّي عن القتال وترك الجهاد وعصيانا لأمره تعالى .
قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلت على أحكام :
الأول وجوب الجهاد لأن اللّه تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيرا من سلوك طريقهم . وأيضا : شرائع من قبلنا تلزمنا . الثاني أن الأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم . وقد « 1 » كان صلّى اللّه عليه وسلم إذا بعث سرية أمّر عليها أميرا . قال في الكشاف : وروي « 2 » أنه أمر الناس إذا سافروا ، أن يجعلوا أحدهم أميرا عليهم . الثالث : وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب . لأن سياق الآية يقضي بذلك ،
في الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم « أطيعوا الأمير ولو كان عبدا حبشيا » « 3 »
. وقد ذكر أهل علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميرا ودليلا وإماما . وهذا محمود . إذ بذلك ينقطع الجدال وينتظم أمورهم . ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء . نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 82 - باب في دعاء المشركين حديث 2162 . وفي هذا الحديث وصيته صلّى اللّه عليه وسلم القيّمة لأمير الجيش .
( 2 )
أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 80 - باب القوم يسافرون يؤمرون أحدهم ، حديث 2608 و 2609 .
الأول عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال « إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم » .
والثاني
عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم »
. ( 3 )
أخرجه البخاريّ في : الأحكام ، 4 - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ، حديث 434 ونصه : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأن رأسه زبيبة »
.