وشفاء سقم . فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى اللّه في هداية قلبه ، وصلاح حاله ، وغفران ذنبه ، وأنّه يلتجئ إلى اللّه عزّ وجلّ لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب ، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم ، وأن يثبته عليه إلى مماته ، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه - من الذنوب والمعاصي - إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة ، كما فعل بهاجر عليها السلام .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 159 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 )
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
.
لما تقدم أنّ بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحقّ ، وختم ما أتبعه له بصفتي الشكر والعلم - ترغيبا وترهيبا - بأنه يشكر من فعل ما شرعه له ، ويعلم من أخفاه وإن دقّ فعله وبالغ في كتمانه ، انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم . ولعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق . إذ كانت هذه كلّها في الحقيقة قصصهم . والخروج إلى غيرها إنّما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين ، لأنّ هذا الكتاب هدى ؛ وكان السياق مرشدا إلى أنّ التقدير بعد « شاكر عليم » : ومن أحدث شرا فإنّ اللّه عليم قدير ، فوصل به استئنافا قوله - على وجه يعمهم وغيرهم -
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا . . .
الآية ، بيانا لجزائهم . فانتظمت هذه الآية في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوّله من قوله :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 42 ] ، فكانت البداية خاصة ، وكان الختم عاما ، ليكون ما في كتاب اللّه أمرا منطبقا - على نحو ما كان أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ومن تقدّمه من الرسل خلقا - لينطبق الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا ، فعمّ كلّ كاتم من الأولين والآخرين . نقله البقاعي .
و ( اللعن ) الطرد والإبعاد عن الخير ، هذا من اللّه تعالى ؛ ومن الخلق : السبّ ، والشتم ، والدعاء على الملعون ، ومشاقّته ، ومخالفته ، مع السخط عليه ، والبراءة منه .
والمراد بقوله :
اللَّاعِنُونَ
كلّ من يصح منه لعن ، وقد بيّنه بعد قوله تعالى :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ البقرة : 162 ] ، وقد دلّت