تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
وأصل ذلك المحافظة على الصلاة بالقلب والبدن . والثاني الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة . والثالث الصبر على الأذى من الخلق وغيره من النوائب . ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا كقوله تعالى :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
[ البقرة : 45 ] ، وكقوله تعالى
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
[ هود : 114 - 115 ] ، وقوله
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها
[ طه : 130 ] ، وأما قرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدا . فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية . إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة ، يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه ، وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع : من نصر المظلوم وإعانة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج . وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك الشر والبطر . انتهى .
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
قال الإمام ابن تيمية ( في شرح حديث النزول ) : لفظ المعية في كتاب الله جاء عامّا كما في قوله تعالى
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ الحديد : 4 ] ، وفي قوله
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] إلى قوله
هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا
وجاء خاصا كما في قوله :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
[ النحل : 128 ] ، وقوله
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : 46 ] ، وقوله
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ التوبة : 40 ] ، فلو كان المراد بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص . فإنه قد علم أن قوله
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوّهم من الكفار ، وكذلك قوله
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
خصهم بذلك دون الظالمين والفجار . وأيضا ، فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى . كما في قوله
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ
[ الفتح : 29 ] ، وقوله
فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
[ النساء : 146 ] ، وقوله
اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
[ التوبة : 119 ] ، وقوله
وَجاهَدُوا مَعَكُمْ
[ الأنفال : 75 ] ، ومثل هذا كثير . فامتنع أن يكون قوله
وَهُوَ مَعَكُمْ
يدل على أن تكون ذاته مختلطة بذوات الخلق . وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبيّن أن لفظ المعية في اللغة ، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة ، فهو ، إذا كان مع العباد ، لم يناف