ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح ، فلم يقولوا : هو الله ، ولا ابن الله ، ولا ثالث ثلاثة . كما تقوله النصارى . ولا كفروا به ، وقالوا على مريم بهتانا عظيما ، حتى جعلوه ، ولد غيّة ، كما زعمت اليهود . بل قالوا : هذا عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، وروح منه . وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله ، فلم يحرّموا على الله أن ينسخ ما شاء ، ويمحو ما شاء ويثبت . كما قالته اليهود .
كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
[ البقرة : 142 ] ، وبقوله
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ
[ البقرة : 91 ] ، ولا جوّزوا لأكابر علمائهم وعبّادهم أن يغيروا دين الله ، فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاؤوا . كما يفعله النصارى . كما ذكر الله عنهم بقوله
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ التوبة : 31 ] .
قال عديّ بن حاتم رضي الله عنه « 1 » : قلت : يا رسول اللّه ما عبدوهم ؟ قال : ما عبدوهم ، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم ، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم .
والمؤمنون قالوا : للّه الخلق والأمر . فكما لا يخلق غيره ، لا يأمر غيره . وقالوا : سمعنا وأطعنا ، فأطاعوا كل ما أمر الله به . وقالوا : إن الله يحكم ما يريد . وأما المخلوق ، فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ، ولو كان عظيما
. وكذلك في صفات الله تعالى ، فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة ، فقالوا : هو فقير
وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
[ آل عمران : 181 ] .
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
[ المائدة : 64 ] . وقالوا : إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت . إلى غير ذلك . والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به . فقالوا : إنه يخلق ويرزق ويرحم ويتوب على الخلق ، ويثيب ويعاقب . والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى . ليس له سميّ ولا ندّ .
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
[ الإخلاص : 4 ] ، و
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ، فإنه
هامش
( 1 )
أخرج الترمذيّ في : التفسير ، 9 - سورة التوبة ، حدثنا الحسين بن مرثد . عن عديّ بن حاتم قال : أتيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وفي عنقي صليب من ذهب . فقال « يا عديّ ، اطرح عنك هذا الوثن » وسمعته يقرأ في سورة براءة :اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ. قال « أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم . ولكنهم كانوا إذا أحلوا شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه »
.