تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
قال قتادة : لما ملّوا طعامهم وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك ، قالوا ذلك . قال الراغب : إن قيل : كيف قال
لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
وكان لهم المن والسلوى ، قيل : إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة ، كقولك : فلان يفعل فعلا واحدا في كل يوم ، وإن كثرت أفعاله ، إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها . وهذا المعنى في إنكار الطعام أبلغ . لأنهم لم يكتفوا في إنكاره بقولهم
لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ
، حتى أكدوا بقولهم
واحِدٍ
أو أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها
هو الثوم لقراءة ابن مسعود « وثومها » وللتصريح به في التوراة في هذه القصة . وقد ذكر ابن جرير شواهد لإبدال الثاء فاء لتقارب مخرجيهما كقولهم للأثافي « أثاثي » ، وقولهم وقعوا في عاثور شر وعافور شر ، وللمغافير « مغاثير »
وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى
أي أدون قدرا ، وأصل الدنوّ القرب في المكان ، فاستعير للخسة ، كما استعير البعد للشرف والرفعة ، فقيل : بعيد الهمة .
بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
أي بمقابلة ما هو خير ، أي أرفع وأجل ، وهو المنّ الذي فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية ، والسلوى من أطيب لحوم الطير ، وفي مجموعهما غذاء تقوم به البنية . وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة ولا تغذية
اهْبِطُوا مِصْراً
هكذا هو منوّن مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية ، وهو قراءة الجمهور ، بالصرف . قال ابن جرير : ولا أستجيز القراءة بغير ذلك ، لإجماع المصحف على ذلك ، أي من الأمصار ، أي انحدروا إليه
فَإِنَّ لَكُمْ
فيها
ما سَأَلْتُمْ
أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في القفار ، والمعنى أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز ، بل هو كثير ، في أي بلد دخلتموها وجدتموه . فليس يساوي مع دناءته ، وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه . ولما حكى الله تعالى إنكار موسى عليه السلام على اليهود استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ، بعد تعداد النعم ، جاء بحكاية سوء صنيعهم بالأنبياء ، وكفرهم ، واعتدائهم ، وضرب الذلة عليهم لذلك ، استطرادا فقال :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
فمن هنا إلى قوله
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
معترض في خلال القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 314 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود