تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه من عند الله تعالى ، والتعبير عن اعتقادهم في حقّه بالريب - مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر - كما يعرب عنه قوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
إمّا للإيذان بأنّ أقصى ما يمكن صدوره عنهم - وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد - هو الارتياب في شأنه ( وأما الجزم المذكور فخارج من دائرة الاحتمال ، كما أنّ تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقّه أن يكون ضعيفا مشكوك الوقوع ) وإمّا للتنبيه على أن جزمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإعجاز ، ونهاية قوّتها . وإنّما لم يقل : ( وإن ارتبتم فيما نزلنا . . . . ) إلخ ، لما أشير إليه - فيما سلف - من المبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن شائبة وقوع الريب فيه - حسبما نطق به قوله تعالى
لا رَيْبَ فِيهِ *
- والإشعار بأن ذلك - إن وقع - فمن جهتهم لا من جهته العالية . واعتبار استقرارهم فيه ، وإحاطته بهم ، لا ينافي اعتبار ضعفه وقلّته : لما أنّ ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به ، لا قلته ولا كثرته . وفي ذكره صلّى اللّه عليه وسلّم بعنوان العبودية ، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة - من التشريف ، والتنويه ، والتنبيه على اختصاصه به عزّ وجلّ ، وانقياده لأوامره تعالى - ما لا يخفى . والأمر في قوله تعالى :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ
من باب التعجيز وإلقام الحجر ، كما في قوله تعالى :
فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
[ البقرة : 258 ] ، أو من باب المجاراة معهم - بحسب حسبانهم - حيث كانوا يقولون : لو نشاء لقلنا مثل هذا . و « السورة » الطائفة من القرآن العظيم المترجمة ، وأقلها ثلاث آيات ، وواوها أصلية ، منقولة من سور البلد - لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة ، محوزة . أو محتوية على فنون رائقة من العلوم ، احتواء سور المدينة على ما فيها . أو من السورة التي هي الرتبة . فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رتبا - من حيث الفضل والشرف ، أو من حيث الطول والقصر - فهي من حيث انتظامها مع أخواتها في المصحف : مراتب يرتقي إليها القارئ شيئا فشيئا . و « من » في قوله تعالى :
مِنْ مِثْلِهِ
بيانيّة متعلقة بمحذوف صفة لسورة ، والضمير « لما نزلنا » أي بسورة كائنة من مثله في علو الرتبة ، وسموّ الطبقة ، والنظم الرائق ، والبيان البديع ، وحيازة سائر نعوت الإعجاز ، وقيل « من » زائدة - على ما هو رأي الأخفش - بدليل قوله تعالى
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
[ يونس : 38 ]
بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ
[ هود : 13 ] . وقوله تعالى :
وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
إرشاد لهم إلى إنهاض أمّة جمّة ليحتشدوا في حلبة المعارضة بخيلهم ورجلهم ، ويتعاونوا على الإتيان بقدر يسير مماثل في صفات الكمال لما أتى بجملته واحد من أبناء جنسهم . وهذا كقوله
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 268 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود