الأول للخلق الذي كان قبل وجود الحيوان والنبات وما يسمى بالجماد من طبقات الأرض ، هو اتحاد ذراته الكهربائية الايجابية بالسلبية المعبر عنهما في لغة العلم ( بالألكترون والبروتون ) فهل لهذا من أصل من القرآن العظيم ؟
قلت نعم إن هذان إلا زوجان منتجان ، والقرآن لم يحصر سنة الزوجية في النبات والحيوان ، بل قال تعالى ( 51 : 49
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
) وأبلغ من هذا في العموم ، وأدهش لأولي الألباب والفهوم ، وأعظم عبرة للمستقلين في العلوم ، قوله عز وجل ( 36 36
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
) فهو يشمل الكهربائية وغيرها مما علم ومما قد يعلم في المستقبل ، وإن هذا التعبير ، لا يعقل صدوره إلا عن عالم الغيب والشهادة العليم الخبير ، وما كان مثله ليخطر ببال محمد العربي الأمي الناشئ بين الأميين ، ولا في خلد أحد من الفلاسفة العقليين والطبيعيين ،
على أنه قد جاء في الآيات والأحاديث من ذكر النور والنار في الكلام على الخلق وسنن الابداع ما يدل على هذه الكهرباء دلالة واضحة وأظهره آية النور العظمى في سورته (
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
) وقوله في مثله منها
( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ، نُورٌ عَلى نُورٍ
) وفي عدة آيات من عدة سور ان اللّه خلق الجان
( مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ )
أو
( مِنْ نارِ السَّمُومِ )
وهي من مخلوقات الأرض ، وقد كانت في أحد أيامها كتلة نارية مشتملة ، وراجع ما ورد من الأحاديث في هذا الموضوع من تفسير آية الأعراف ( 7 : 143 ) في رؤيته تعالى
فان قيل : ولم لم تذكر هذه السنن العجيبة في موضع واحد من القرآن فتكون أظهر للناس ، ويكون المؤمنون بها أسبق إلى ما أظهره العلم منها في هذا الزمان ؟
قلنا : أولا - إن أسلوب القرآن في بيان أصول الدين وفروعه المقصودة لذاتها هو إيرادها في آيات متفرقة في السور ممزوجة بغيرها من أنواع المسائل والفوائد لا في مكان واحد ، وقد بينا حكمة هذا في مباحث الوحي المحمدي من سورة يونس التي صدرت في كتاب مستقل .