Skip to main content

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — Page 199

Contributors:

P.199
وان أكثر الذين يقرءون القرآن أو يسمعونه وهم يأخذون عقائدهم المشوبة بالوثنية من تقاليد آبائهم لجاهلين لا من القرآن يظنون أن المراد بالعبادة في هذا الامر والنهي عبادة الاسلام المنزلة من الصلاة والصيام ونحوهما مما جاء به أولئك الرسل أيضا ، لأنهم يجهلون أن دعوتهم هذه هي أول ما وجهوه إلى المشركين غير المؤمنين بهم ، قبل فرضية العبادات المنزلة عليهم ، نهوهم بها عن عبادتهم الوثنية التقليدية وهي دعاء غير اللّه لجلب النفع وكشف الضر ، والذبح لغير اللّه ، والنذر لغير اللّه ، وشد الرحال لتعظيم غير اللّه تعظيما تعبديا يتقربون به إلى غير اللّه ليقربهم إلى اللّه ، ويشفع لهم عنده ، ويظنون أن المراد يغير اللّه من هذه المعبودات خاص بالأصنام كما يرون تفسيرها في مثل الجلالين ، وان دعاء الأنبياء والأولياء لدفع الضر وجلب النفع والنذور وتقريب القرابين لهم لا ينافي دين اللّه وتوحيده على هذا التفسير والصواب المجمع عليه المعلوم من دين الاسلام بالضرورة ونصوص القرآن القطعية أنه لا فرق في عبادة غير اللّه بمثل ما ذكرنا بين الأصنام وغيرها من حجر وشجر وكوكب ، أو بشر ولي أو نبي ، أو شيطان أو ملك ، إذا توجه العبد إليها توجها تعبديا ابتغاء نفع أو كشف ضر في غير العادات والأسباب التي سخرها اللّه لجميع الناس ، فعبادة الملك أو النبي أو الولي كفر كعبادة الشيطان أو الوثن والصنم بغير فرق ، إذ كل ما عدا اللّه فهو عبد وملك للّه ، لا يتوجه اليه مع اللّه ولا من دون اللّه ، ولا لأجل التقريب زلفى إلى اللّه ، بل يتوجه في كل ما سوى العادات العامة إلى اللّه وحده كما أمر اللّه إبراهيم ومحمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في كتابه ، ولا فرق في هذا التوجه بين تسميته عبادة كما كانت العرب تقول وهي أعلم بلغتها ، وبين تسميته توسلا أو استشفاعا كما فعل بعض المتأخرين ، فالمعنى واحد لا يختلف حكمه باختلاف أسمائه

( 2 ) توحيد الربوبية

الاله هو المعبود الذي يتوجه بالدعاء والتأله والخشوع الخاص بالايمان بالسلطان الغيبي ، والرب هو الخالق المربي والمدبر لعباده والمتصرف فيهم بذاته ، ومقتضى حكمته ونظام سننه ، وتسخيره الأسباب لمن شاء بما شاء ، وكان أكثر
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — Page 199 | الشيخ محمد رشيد رضا