كسبها أم لا ؟ وانما معناها ما فسرناها به من خلقه تعالى لكل منها الرزق الذي تعيش به ، وأنه سخره لها وهداها إلى طلبه وتحصيله ، كما قال
( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى )
وبهذا تعلم جهل بعض العباد والشعراء فيما زعموه من أن الكسب وعدمه سواء ، كقول بعض الخياليين الجاهلين ، المتواكلين غير المتوكلين :
جرى قلم القضاء بما يكون * فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق * ويرزق في عشاوته الجنين
فهذا الشاعر أحق بصفة الجنون ممن يصفهم بها ، فان ما جرى به القضاء منه ما هو مجهول للناس ، ومنه ما علم نوعه بالتجارب والاختبار ، ويعبر عنه بالنواميس والسنن ، ومنها أن الحركة والسكون لكل منهما آثار ، فما هما سيان في ذاتهما ، ولا في اثارهما ونتائجهما ، وان ما قضاه وقدره من رزق الجنير في غشاوته بدم حيض أمه ، غير ما قضاه وقدره من رزق من خاطبهم بقوله
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ )
وبغيره من آيات التسخير والتكليف ، ومن العجيب أن يستدل أحد المفسرين لا ذكياء على هذا الجهل بأثر موضوع ، ويستحسن في موضوعه خيال ابن أذينة الشاعر المخدوع :
لقد علمت وما الإشراف من خلقي * ان الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى اليه فيعييني تطلبه * ولو أقمت أتاني لا يعيّيني
ثم يقول : وقد صدقه اللّه تعالى في ذلك يوم وفد على هشام فقرعه بقوله هذا ، فرجع إلى المدينة فندم هشام على ذلك وأرسل بجائزته اليه ، ثم أورد ( أي المفسر ) في معناه قول من اعترف بأنه ألغى امر الأسباب جدا إذ قال :
مثل الرزق الذي تطلبه * مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعا * وإذا وليت عنه تبعك
وقفى عليه - أعني المفسر - بقوله هو : وبالجملة ينبغي الوثوق باللّه وربط القلب به سبحانه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ه
وأقول إن هذه الجملة حق وضع موضع الباطل ، ولكن هذا الشعر أو غل في الجهل الباطل مما سبقه ، فإنه جعل الكلام في الرزق المطلوب ، لا في الرزق المكتوب ، وجعل