شاهدوا من عدلهم وفضائلهم ، ثم بدعوة بعضهم لبعض بعد انتشار الاسلام فيهم ،
وقال الزجاج : ان الخطاب للعالم كله لعموم بعثته فيكون بمعنى ما يأتي في أول السورة التالية
( أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ )
الخ ولكن آية أول سورة يونس هذه في الرد على منكري كون البشر رسولا من اللّه وهو المحكي عن جميع كفار الأمم ، وآية آخر سورة براءة في امتنان اللّه عز وجل على من أرسل إليهم الرسول من أنفسهم وصميم قومهم ، لتأييد الحجة بالمنة ، والترغيب في إجابة الدعوة ، فان من طبع كل قوم حب الاختصاص بالفضل والشرف على غيرهم ، كما قال تعالى في امتنانه عليه بالقرآن المجيد
( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ )
أي شرف لك ولهم ، تذكرون به في العالم ، ويدوّن لكم في التواريخ ، وانما قاومه وعانده أكابر قومه حتى من بني هاشم انفة واستكبارا عن اتباعه وهم يرونه دونهم ، ولما يتضمن اتباعه من الاقرار بكفرهم وكفر آبائهم وأجدادهم الذين يفاخرون بهم ، مع عدم ثقتهم بفوزه وبأنهم ينالون باتباعه من مجد الدنيا فوق ما كانوا عليه بمسافات تطاول السماء رفعة وشرفا ، دع ما هو فوق مجد الدنيا من سعادة الآخرة ، ثم إنهم صاروا يفتخرون بكونه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم ، بأكثر مما يبيحه دينه لهم ، حتى صار أقربهم يتكل على نسبه فيقصر في العلم والعمل ، وقد أكد تعالى هذه المنة الخاصة بوصفه هذا الرسول بقوله
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ
الخ العنت المشقة ولقاء المكروه الشديد وقيده الراغب بما يخاف منه الهلاك ، وعز على فلان الأمر : ثقل واشتد عليه ، وقالوا هو كناية عن الأنفة عنه ، وما مصدرية - أي شديد على طبعه وشعوره القومي عنتكم لأنه منكم ، وهذا يشمل ما يكون في الدنيا وما يكون في الآخرة ، فلا يهون عليه أن يكونوا في دنياهم أمة ضعيفة ذليلة يعنتها أعداؤها بسيادتهم عليها وتحكمهم فيها ، ولا أن يكونوا في الآخرة من أصحاب النار
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
الحرص شدة الرغبة في الحصول على المفقود ، وشدة العناية بحفظ الموجود ، وكان ( ص ) حريصا على اهتداء قومه به بايمان كافرهم وثبات مؤمنهم في دينه كما قال تعالى له
( 16 : 37 إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ )
الآية وقال ( 12 : 103
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )