( الفصل الثاني في صفات الذات من العلم والمشيئة والعزة والرحمة )
أما العلم فحسبك من هذه السورة قوله تعالى ( 11
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ )
الخ فراجع تفسيرها وتأمل عجائب بلاغتها ، وإحاطتها بعظائم الأمور وصغائرها ، وظواهر الاعمال وخفاياها ، وذرات الوجود قريبها وبعيدها جليها وخفيها ، وما تدركه المشاعر وما لا تدركه من خلايا مركباتها ودقائق بسائطها . وتدبر تعلق علم اللّه تعالى بها كلها ، وكتابته لها من قبل إيجادها ، وشهوده إياك في كل ما تكون فيه منها ، تجده رافعا لك إلى أعلى درجات الايمان والاسلام والاحسان
ثم تأمل قوله تعالى في الذين يشركون باللّه غيره بما يرجون من نفعهم لهم ، وكشفهم الضر عنهم بشفاعتهم عنده تعالى من الآية ( 49
قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ )
تعلم مقدار جهل الانسان وجنايته على نفسه ، بما يقوله على اللّه تعالى بغير علم ، من تصغير أمر الربوبية والشرك في الألوهية ، بالتوجه في الدعاء والرجاء والخوف إلى غيره تعالى بما هو عين الشرك به كما تقدم آنفا
وأما صفة المشيئة فتأمل فيها أمره تعالى لرسوله الأعظم في الآية ( 16
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ )
الخ وفي الآية ( 49
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ )
تعلم منه قدر إيمانه صلّى اللّه عليه وسلّم بمشيئة ربه عز وجل ، ثم انظر قوله تعالى له ( 99
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً )
تعلم منه كيف شاء اللّه تعالى أن يخلق المكلفين في هذه الأرض مختلفي الاستعداد للايمان والكفر والخير والشر ، وان ما وهبه من المشيئة والاستطاعة لأعظمهم قدرا وفضلا لا يمكن أن يخرج عن مقتضى مشيئته وسننه في نظام خلقه ، ويؤكده قوله تعالى بعده ( 100
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ )
وهو بيان لسنته التي اقتضتها مشيئته في اختيارهم لكل من الايمان والكفر ، وما يستلزمان من عمل الخير والشر . وفي معناه قوله فيما يصيبهم من ضر ونفع وخير وشر ، وكون كل منهما بالأسباب المقيدة بسننه في الخلق بمقتضى ارادته ( 107
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ )
الآية فلا يقدر الأولياء ومن يسمونهم الشفعاء على النفع ولا على الضر من غير أسبابهما المشتركة بين جميع الناس ، وانما يقدر على ذلك واضع السنن والأسباب وحده