ما يسمعون ولا يفقهون معناه فيهتدوا به . والبلاغة في ظاهر تعبير الآية وصفهم بفقد السمع والعقل معا ، وهو مجاز قطعا ، لان من فقد الحس والعقل حقيقة لا يكون مكلفا . وإذ كان المراد بالعقل المنفي هنا عقل الكلام وفقهه فهو يقتضي ثبوت السماع ونفي الصم الحقيقيين
* * *
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
أي يوجه أشعة بصره إليك عندما تقرأ القرآن ولكنه لا يبصر ما آتاك اللّه من نور الايمان ، وهيبة الخشوع للديان ، وكمال الخلق والخلق ، وأمارات الهدى والحق ، وآيات التزام الصدق ، التي عبر عنها أحد أولي البصيرة بقوله عندما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : واللّه ما هذا بوجه كذاب ، وقال فيه آخر
لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بديهته تنبيك بالخبر
وقال حكيم افرنجي : كان محمد يقرأ القرآن في حالة وله وتأثر وتأثير فيجذب به إلى الايمان أضعاف من جذبتهم آيات موسى وعيسى ( عليهم السّلام )
ومن فقد البصيرة العقلية والقلبية فيما يراه ببصره ، فجمع بين وجود النظر الحسي بالعينين ، وعدم النظر المعنوي بالعقل ، فهو محروم من هداية البصر وهي البصيرة التي يمتاز بها الانسان عن بصر الحيوان ، فكأنه أعمى العينين
أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ
أي انك أيها الرسول لست بقادر على هداية العمي بدلائل البصر الحسية ، فكذلك لا تقدر على هدايتهم بدلائله العقلية ، ولو كانوا فاقدين لنعمة البصيرة التي تدركها ؟ وقد أسند فعل الاستماع إلى الجمع لكثرة تفاوت المستمعين واختلاف أحوالهم فيه وأسند فعل النظر إلى المفرد لأنه جنس واحد ، ولكنه أفرد السمع وجمع الابصار في بضع آيات منها 31 من هذه السورة لما ذكرناه في تفسيرها
والمراد من الآيتين ان هداية الدين كهداية الحس ، لا تكون الا للمستعد لها بهداية العقل ، وأن هداية العقل لا تحصل الا بتوجه النفس وصحة القصد ، وهذا الصنف من الكفار قد انصرفت أنفسهم عن استعمال عقولهم في الدلائل البصرية والسمعية لادراك مطلب من المطالب مما وراء شهواتهم وتقاليدهم ، وليس المراد أنهم فقدوا نعمة العقل الغريزي ولا نعمة الحواس بل استعمالهما النافع - كما قال في سورة الأعراف ( 7 : 179
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ،