أنهم لا يبالون ما يكون من قضائه فيهم وقتله لهم لأنهم راجعون إلى ربهم ، راجون مغفرته ورحمته بهم ، وحينئذ يكون تعجيل قتلهم سببا لقرب لقائه ، والتمتع بحسن جزائه . ويجوز أن يكونوا قد عنوا أنفسهم وفرعون جميعا وأرادوا اننا وإياك سننقلب إلى ربنا ، فلئن قتلتنا فما أنت بخالد بعدنا ، وسيحكم عز وجل بعد له بينك وبيننا ، وفيه تعريض بكذبه في دعوي الربوبية ، وتصريح بايثار ما عند اللّه تعالى على ما عنده من الشهوات الدنيوية ، وفي سورة الشعراء
( قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ )
وهو يؤيد المعنى الأول ولا ينافي الثاني لأنه يشمل الأول
* * *
وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا
قال الراغب : نقمت الشيء ونقمته ( أي من بابي فرح وضرب ) إذا أنكرته اما باللسان واما بالعقوبة قال تعالى
( وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ
*
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ *
هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا )
الآية والنقمة العقوبة قال
( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ )
الخ وتفسيره هذا لنقم أدق وأشمل من قول الزمخشري في الأساس :
ونقمت كذا - أنكرته وعبته . فإنه لم يذكر الا القولي منه وقد استشهد له بقوله تعالى
( وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا )
وهو في أصحاب الأخدود وكان النقم منهم بالفعل لا بالقول ، فسبحان من لا ينسى ولا يغفل . وما ذكره السحرة من نقم فرعون منهم كان بالقول وهو الاستنكار التوبيخي لايمانهم والتهمة فيه والوعيد عليه . والظاهر أنه نفذ الوعيد بالانتقام بالفعل واستنبط بعض المفسرين من قوله تعالى لموسى وهارون
( أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ )
ان فرعون لم يقدر على تنفيذ الوعيد فيهم . وأجيب عن هذا بأن المراد الغلبة بالحجة والبرهان وفي عاقبة الامر ونهايته والا لم يقتل أحد من اتباع الرسل عليهم السّلام ، وهو صريح قوله تعالى في أول هذه القصة الذي ذكرنا أنه بيان لنتيجتها ووجه العبرة فيها
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )
يعني فرعون وملاه ، ويؤيده ما ورد في معناه من الآيات الكثيرة كقوله تعالى حكاية عن شعيب في قصته التي مرت في هذه السورة أيضا
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )
وقوله قبله في قصة لوط منها
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ )
وقوله تعالى في مكذبي الرسل عامة بعد ذكر تكذيب قوم خاتم الرسل « ص »