استعمال قلوبهم وأبصارهم واسماعهم في فقه آيات اللّه ، وانهم كثيرون ، ولكنه ما سماهم أمة ، لأنهم لا تجمعهم في الضلال جامعة ، ولان الباطل كثير وسبله متفرقة .
ثم ذكر هنا حال من هداهم اللّه تعالى وهو أنهم أمة أي جماعة كبيرة ، مؤلفة من شعوب وقبائل كثيرة ، يهدون بالحق وبه دون غيره يعدلون ، فسبيلهم واحدة لان الحق واحد لا يتعدد ، وهؤلاء هم أمة محمد ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم
وقد تقدم تفسير هذا التركيب في قوله تعالى من هذه السورة ( 7 : 158
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
) فليراجع فهو قريب « 1 » فهاتان الآيتان متقابلتان لقرب الشبه بين أمة موسى وأمة محمد عليهما الصلاة والسّلام كقرب الشبه بينهما وقد تقدم بيانه أيضا « 2 » وانما قال
( وَمِمَّنْ خَلَقْنا )
ألخ لمناسبة قوله في مقابله
( وَلَقَدْ ذَرَأْنا )
أي خلقنا ، فهنالك يقول ذرأنا لجهنم من صفتهم كذا ، وهنا يقول وممن خلقنا أي للجنة أمة صفتهم كذا وكذا .
اخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله تعالى
( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ )
قال ذكر لنا أن النبي ( ص ) قال « هذه أمتي ، بالحق يحكمون ويقضون ، ويأخذون ويعطون » واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة فيها قال : بلغنا ان نبي اللّه ( ص ) كان يقول إذا قرأها « هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها :
( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ )
واخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه قال :
لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الافرقة : يقول اللّه
( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ )
فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة . اه ومعلوم ان الشق الأول من هذا الأثر مرفوع إلى النبي ( ص ) فذكره علي رضي اللّه عنه ليفسر به الفرقة الناجية . وقد فسرها النبي ( ص ) في بعض الروايات بأنها هي التي تستقيم على ما كان عليه ( ص ) هو وأصحابه ، ومعنى التفسيرين واحد في مآلهما والمراد منه أمة الإجابة لدعوته ( ص )
ثم ذكر حال المكذبين من أمة الدعوة فقال
هامش
( 1 ) راجع ص 363 ج 9 تفسير
( 2 ) راجع ص 37 منه